تحية الصباح ... الملاحظة بين الغواية والخبرة

تحتفي النفس إشراقاً بذاتها حيال قدرتها على التعبير عن أمر ما , أو القول فيه , لكأنها بذلك تؤكد دلالة وجودها ضمن حيز الفكرة أو الموقف  وذلك وفق محاولة للإفصاح عن أمر توصيفاً له أو إعطاء قيمة نقدية \ أياً كانت نسبتها \ ما بين وجهة نظر انطباعية , تأثرية , طافحة بمحاكاة الميول والذاتية , وربما المزاج والتعاطف أو ضمن اعتمادية معرفية , مرجعيتها حذاقة البحث وتعاضد الرؤى والتصورات ودفق الغنى المعرفي الممهور بطابع العلم والدراسات والبحوث عبر مرجعية مضمخة بعبق المثاقفة , ونبوغ التأمل , وبلاغة الحكمة على سداد رأي أو قول .  

هو نتاج خبرات تراكمية  فيها هذا الجهد النوعي للعقل البشري تناغم وعي إلى وعي على اتساع حضور موضوعي على تمثل فكرة يستتبعها حكم نقدي .

 لثراء الثقافة سعة القول معرفياً , ولحضور الذات المجتهدة نصيب إلى حد ما . لكنه يقوى ضمن جدلية الذاتي والموضوعي في مقاربة إطلاق حكم غنى نضارة في تمثل وعي عقلاني . تضمر فيه خصوصية الخاطر , والذاتية الفردية مقابل الموضوعية المعرفية ليأتي القول الفصل ملاحظة ً أو موقفاً نقدياً على أي أمر أو سلوك جراء ذلك بعداً بنائياً , بناء لأنه يعطي قيمة مضافة , ويوسع في المكان لجماليات معرفية وخبرات تعزز تلك الرؤى , وهاتيك التصورات وما بين هذا وذاك واقع الأنماط السلوكية ضمن حفاوة الذهنية المنفتحة والمنضدة على صقيل مؤشرات ثقافية معرفية ومنظومة قيم ورقي كل نهوض .  

إن غواية الملاحظة , تهدهد الخاطر ربما في وهن استعجال وعلى خلفية بساطة في اعتمادية توقف عند أمر , ولا سيما إذا ما كان الأمر مبنياً على المزاج فلا يكون الموقف تجاه الملاحظة , بالضرورة موقفاً بناء سديداً وخاصة إذا كان خاوياً من مضمون يحمل شيئاً من مؤونة خبرة , أو زاد معرفي فتكون بذلك الملاحظة نتوء جهد على مشجب انزياح زمان من غير كسب يفضي إلى مغنم في توكيد أمر أو تعديل ذهنية صوب أية فكرة أو موقف هما مدار نقاش أو حوار لأن تلك الملاحظة حسب ما سبق ليست إلا همهمات تعب يبحث صاحبه عن موطئ علامة ترقيم على سطور الأيام ! على حين أن الملاحظة التي هي واحدة من روائز القياس والتقويم ومنطوق الحياة عامة لا تقل عن التجريب وعن أية ميزة تستنطقها مهارة , ويقولها علم . وحتى اتساق الجمال الحاضر في فقه اللغة يرسم تلاوين لتصنيفات الزمان ما بين لحظة ومدة وبرهة وغير ذلك من أسماء ترسم لنا هندسة الجمال في سعة اللغة ودقة دلالاتها المعجمية , وغنى ذلك في سياقات دلالية عبر ثراء اللغة في أنساقها المختلفة .  

إن جزالة الملاحظة في كينونتها , وقد جاءت مزدانة بالقراءات المعرفية ومؤشرات التصورات الفلسفية , والخبرات والتجارب وإعمال العقل والتفكير في مستويات التفكير العليا ومحاولة الربط بين المعرفة والخبرات والتجارب , ونباهة القياس إنما تحول الملاحظة من ومضة إلى اكتناز شعلة من ضياء جراء تلك المرجعية المعرفية , والدربة النقدية والخبرة الطيبة في تحويل الملاحظة من نظرة " طاقة سلبية " إلى معلم في البناء , وإعطاء البديل وليس الاكتفاء بها ملاحظة فتكون الفائدة ويتسع الزاد المعرفي وكذلك الخبرة وهذا يؤسس إلى المزيد من الموضوعية في رقي كياسة إنسان لإنسان مقام كل منهما ثقة تجمع ما بين الذاتي والموضوعي في وعي الحياة نحو كل تجدد يحمل صيرورة الخير والعطاء والجمال , فتطرز الملاحظة شذرات من ضياء هي بلاغة العقلانية في مهابة كل تطلع , وكل خبرة تصبح حكمة .

 نزار بدّور