تحية الصباح ..... متقاعدون ...!!

الإحالة على المعاش منعطف حاد في حياة الإنسان ، مثله تماما ً ، الالتحاق بالوظيفة في مقتبل العمر ، حدثان محفوران في الذاكرة، هما تاريخان للأحداث كأن يقول  أحدهم "عندما التحقت بالوظيفة .. أو عندما تقاعدت من عملي .." .

 وإذا كان البعض يحلل كلمة متقاعد إلى كلمتين هما " مت قاعداً" فإنني لست مع هذا التحليل التشاؤمي ، فالإنسان صانع الحياة ،وله  الحرية باختيار السلوك الذي يقوم به ، والبرنامج اليومي للمتقاعد لايعني النوم والطعام ومشاهدة التلفاز، بل يعني أيضا ً  المطالعة ورياضة المشي وزيارة الأقارب والأصدقاء، هذا في الحد الأدنى للنشاط اليومي عند المتقاعد ،وقد نضيف إليها مهمة  تسديد قيمة فواتير الهاتف والماء والكهرباء ..!!.

الاعتكاف في المنزل.. يعني الكآبة والملل ، وهكذا فالبعض يستبدل دوامه في العمل  قبل التقاعد ، بالدوام  في المقهى مع الأصدقاء والزملاء  عندما يتقاعد ، وهو المكان الوحيد للالتقاء بهم  حيث يتشعب  الحديث عن ذكريات الماضي ، والحاضر ،والوضع  الراهن ،ومشاكل الأولاد والأسرة .

 بعض المتقاعدين ينجحون في تأمين عمل إداري في القطاع  الخاص، أو افتتاح بقالية ..!! في الريف، يختلف الأمر  حيث الأعمال الزراعية تستهلك وقت المتقاعد , وهي أعمال مستمرة ومتجددة .

 الكثيرات من زوجات المتقاعدين ، يشكين ضيق الخلق،وردود الفعل الغاضبة،والشكوى من أزواجهن ويتمنين لو أنهم لم يتقاعدوا ، فبعضهم يجعل من كل أمر مشكلة ..!!

 وسنة الحياة ، أن تتعاقب  الأجيال ، ويأخذ الجيل اللاحق مكان الجيل السابق في العمل،وهكذا فإن قرار الحكومة بعدم تمديد خدمة العامل بعد بلوغه سن التقاعد قرار حكيم لأنه يتيح المجال لجيل الشباب أن يحصل  على فرص  العمل ، ولكن هل يطبق هذا القرار ؟! أم أن الاستثناءات  سوف تنال منه ؟!!.

 ثمة إدارات حكيمة تودع المحالين على التقاعد ، بحفل صغير  حفل شاي وقهوة ، على الأقل ، حيث يتمنى  زملاء المتقاعدين الصحة والسعادة لهم والعمر المديد ، وبعض الإدارات لا تأبه لذلك ، وهذه مثلبة ،كما نعلم .

 قبل سنوات عديدة ، يروي الشاعر عادل ناصيف ، الموجه الأول للغة العربية في وزارة التربية أن زميله الشاعر الراحل فالح فلوح – رحل في الأسبوع الماضي ،وكان موجهاً أولا ً، قد أحيل إلى المعاش واتفق  رأي زملائه أن يحتفوا به في  حفل وداعي ... فأنشد فلوح قصيدة بعنوان (وداع) منها هذه الأبيات :

اليوم لاهند تنيلك ودها

كلا ، ولاميسون  حلو عتابها

 يا راحلا ً عنها ولست براحل ٍ

كيف الرحيل وأنت سطر كتابها / .

 ويرد عليه ناصيف بقصيدة منها وبنفس البحر والقافية :

 /مازال عطرك عابقا ً برحابها

 من قال  إنك قد رحلت وشى بها

قلنا تقاعد ، لم نقل مت قاعدا ً

اسلم رعاك الله زهو شبابها

 ما ودعوك همو ولكن كرموا

 فيك العلوم وأنت من أربابها ...!!/

 ويقال  أن المرحوم  فلوح من أول يوم من حياة التقاعد ،أفاق مبكرا ً وحلق ذقنه وارتدى بذته ..  وعندما استيقظت زوجته سألته  إلى أين ؟ فأجاب "إلى العمل..!!"

قالت " أنسيت  أنك تقاعدت ..!!" فأجاب إنه نسي ذلك !!.

 أحد الأصدقاء المتقاعدين  شكا لي  أن الجلوس في المقهى لم يعد "مريحا ً " لأنهم منعوا تقديم النرجيلة ..ولكن السيجارة تبقى رفيقته الدائمة .. يلعب الورق ،والنرد ، مع شلة  من أصدقائه وزملائه ... ويتحدثون عن ماضيهم ، وكل منهم يدعي أنه كان  ( دون جوان ) في شبابه وأن الفتيات كن يلاحقنه  إعجابا ً به وبتسريحته وخنافسه (السالفان)  الطويلان إلى منتصف الذقن أحيانا ً ..!!). وقد يخترعون  قصصا ً من بنات  خيالهم .

 المتقاعدون ، فئة من الناس ،تستحق التقدير والرعاية  لأنهم أفنوا عمرهم في خدمة الوطن .. وكل امرئ سوف يصل إلى هذه المرحلة ..وهكذا هي سنة الحياة ..هؤلاء يحتاجون إلى كلمة طيبة على الأقل والكلمة الطيبة صدقة حتى لو كانت من الزوجة والأبناء والأحفاد .. اللهم استرنا في الدنيا والآخرة .. واجعل من أبنائنا وأحفادنا قرّة عين لنا ، لا عبئا ً علينا ... آمين !!.