تحية الصباح ...انتصار وطن

في قطـار العمـر محطـات كثيـرة غيـر أن هـذه المحطــة تبقى راسـخة متميـزة في ذاكرتي تعصف هواجسي، وتحرك آلام روحي لتقبض على حنجرتي إلى درجة الاختناق ، فألجأ إلى والدي أسند رأسي على كتفه وأنفض عني همومي، فبكل الحب والحنان القابع في حنايا ضلوعه، ينصت إلي لتخرج الحروف من شراييني مبعثرة، تغزل بالحب الدفين خيوط الشمس لتبدد القلق الذي يصيبني، وفي كل فجر أصبح سفينة حب فوق أمواج عيون وطني وأصبح وأمسي على وطن.

   أعلنت نومي قائلة لا توقظني يا أبتي دعني أحلم أن أرض وطني مفروشة بالأزهار... وأن الأطفال تلعب بالحدائق. لن أنسى تلك الليلة المرعبة ، ولن أنسى ذلك اليوم أبداً ما حييت، فهو يوم حزين منذ الصباح ، شربت القهوة مع زوجي وكلانا متوترين لم تمض عدة دقائق حتى تلقينا خبر إصابة ابني إصابة بالغة،حل الحزن علينا ، بتوتر شديد جهز نفسه زوجي واتصل بابني حسن ليرافقه إلى حلب... كان حسن قد خبر من رفاق حسين مدى خطورة إصابة أخيه حاولت أن أكون معهما لكنهما رفضا فالطريق غير آمن والاشتباكات مازالت بين الجيش العربي السوري والإرهابيين  ، توجها إلى المستشفى في حلب بأقصى سرعة, كان الجو عبقاً بنقيع القويسة المغلي،وأنا واقفة على النافذة الموجودة في غرفتي والتي تطل على الجهة الشرقية لمدة طويلة ، أنتظر وصول خبر وصولهما للاطمئنان على حسين حمدت الله على اختراع هذا الجوال الذي بين يدي للتواصل معهم, كنت على أحرمن الجمر حتى وصلا بسلامة إلى المستشفى ، لم أستطع أن أكلم أوأسمع صوت حسين لأنه في العناية المشددة وحالته حرجة فسلمته لرب العالمين ،. دام وقوفي على النافذة رغم أن السماء قد أوشكت على خلع ثوب حدادها فإن النوم لم يعرف عينيّ طريقاً,و أشم بروحي بكاء القلوب .....

مضت عدة أيام والبطل ....حسين في العناية المشددة و رفاقه الأبطال  يروون قصص تضحياته وتكبيد المسلحين الخسائر بالأرواح والمعدات كما لم يتراجع يوماً عن خدمة أحد والمساعدة بكل ما يستطيع حتى أصبح الأخ والصديق والحبيب والأب الحنون للكبير والصغير , الجميع يدعو له بالشفاء العاجل , كانت شهادة رفاقه توصلني بكل تفاصيلها مع الدعاء له بسلامته . وما زال  البطل حسين في العناية المشددة ووالده بالقرب منه أما أخوه فالتحق بقطعته بعد أن اطمئن على وجود أبيه معه داعياً له بالشفاء , بقيت على نار متوهجة انتظر الفرج وتحسن حالة حسين لم أعد أذكر كم من الأيام مضت , كيف ؟ لا أدري , أغفو لدقائق ثم أصحو , وهاهو اتصال زوجي يقول لي : كلمي البطل لقد أخرج من العناية المشددة , سمعت صوته وحمدت الله على ذلك , أحسست بروحي تطير من الفرح , وخاصة بعد أن قرر نقله للمعالجة في المشفى بحمص لإجراء العملية اللازمة له في الصدر بعد أن نزعوا الرصاصة منه . كنت مزروعة على أرصفة المشفى في حمص لساعات طويلة , حتى وصل البطل , استقبلته مع الأهل والرفاق بابتسامة لم أستطع ضمّه لأن حالته لا تسمح بذلك  , فطبعت قبلاتي على رجليه , لقد أحرق بآهاته دمعاً . أقسم بالصبر وبالجلد وبحزن عيونك وبسهدي وبحزن عيونك وهمومك سألملم جروحك في عنقي... يا وعدا ينهض بالوطن يا أملاً يبزغ في الظلمة يا روح شهداء بلدي , أنينك يحرق أضلاعي وهمومي أكبر أوجاعي دماؤك تجري في دمعي , يا وجعاً يسكن في كبدي . فتح عينيه قائلاً : اطمئني ياغالية نجوت بفضل الله ودعاؤك , ومرت الأيام مثقلة موجعة خضع للعملية , وتعافى كنت جاثية يائسة منتظرة خيوط الأمل وهاهو الأمل يبدأ يزحف, كان في داخل ولدي الغالي صمت وفي جوفه ألم  يصهر الحديد على ما رأى من إجرام بحق الشرفاء الصامدين المدافعين عن الوطن. انهض يا بني , أجابني سأنهض وأعود لساحات القتال أشدّ وأقوى من قبل  .

 في الموسم القادم سيكون للقمح زهوراً حمراء وللزيتون عطر الياسمين وستبتسم حجارة الطرقات في بلدي وستغني الجبال وتغازل القمر .

خديجة بدور