تحية الصباح .. مُهُدُ الحضارات فنون ..

تمرّ بنا قراءات محكمة النفع ثقافة معرفيةً في ميادين علوم شتّى . وتأخذنا إلى عوالم تمدّنا بزادٍ فكري صقيل المدى , فتوقع ألحانها الشجيّة أجراسُ نبوغٍ في مكامن مسامعنا ,دفق وعي عبر انتباه نوعي التميّز , ولاسيما , تلك التي تستبطن حضورها لُمعاً فتيّةً في ثنايا من بروق التحليل فتغوص في بواطن الأمور , تستغرق حضورها بحثا وتمحيصا عبر إنسان وأرض وحياة , لتأتي فلسفة الوجود وعي حضارة هي ثمرة كل جهد. إنها درّة غائصٍ يستجمعها عنوان : البشر وأمهم الأرض لأرنولد توبيني أنموذجا مكثفاً لضيف عابر هو الإنسان , وكوكب ثابت هو الأرض.

هي الحضارة رُجُعُ كل جهدٍ ثماره , حال السنابل ضفائر الحقول على كتفيّ البيادر تعاقبَ مواسم فضاءات خير في إشراقات أمنيات وفي المعطى النفعي قيمة غذائية . إذ مؤشر ذلك الخبز رغيفاً عبر مهارة ودربة ليُضرب به المثل عراقة جمال في نضارة خبرة في الحسن والجمال , ولا وجه العروس إذا جُلي في ذاكرة التنانير سرمدية حرف وحكاية . إنه ذاك الرغيف الأنفع ربطا مع الحياة قيمة من كثير لمشاريع يصنعها الغرب الاستعماري حصارا وممارسات كما الحال في حرب النجوم زمن (ريغن) وتعاقب الإدارات الأمريكية إجراما يتلوه إجرام بحق الشعوب ودسائس ومؤامرات وأموال وتصنيع إجرام وإرهاب وتصديرهما ... وفي البعد الثقافي وما مدافن الفراعنة في أشيائها , ومن بينها الخبز إلّا دلالة قيمة لمعنى أبجدية الحياة في رمزية المهارة حُسنَ أداءٍ وقيمة محتوى إنه الفنُّ في بواكيره ودلالاته . أجل هي الحضارة وجوهرها الإنسان ومرجعية ذلك في تكوينها نظرياتٍ يتقدّمها الذكاء الإنساني الذي يوشّي مطارف الفن أنه شكل من أشكال الوعي الاجتماعي , والنشاط الإنساني . فالفنّ انعكاس الواقع أشكالاً تعبيرية وأجناساً أدبية , وكل ما يدور في فلك مقدح ذهن وولادة فكرة وحيوية ساعد بناء صوب الخير والحياة وكذلك في ترانيم لموسيقا أو نبرات لجسد يميسُ رقص نشوان وهو ينضح عبق انفعالات ومشاعر مابين الأنا والنحن في سفر الحياة ظروفاً وصروفاً . هكذا الفنّ مجامر كلمات , هي بنات الشفاه الواعيات نبالة محتوى في أسلوبية أداء ونهوض مضمون فيكون الفنّ بكليهما معلماً يشار إليه حيث النهوض بالإنسان والحياة رسائل من جمال هي أضمومات من استيعابٍ وتذوّق وتصوير جماليّ يتماهى مع الذّائقة إثارة دافعية لمكرمات الإحساس الراقي تبادل حضور بحضور . فما هذا الضوء إلا من ذاك الشعاع . إنه الفنُّ فرح الدهش ورونق التأمل الأعمق بإحساسٍ يفوق طاقة الكلمات. إن الفنون في مرتسمات الحضارات متنوعة الألوان , لافتة البهاء. فالحضارة المصرية صرحها (العمارة) بما توحي من قوة وضخامة فكانت الأهرامات لتأتي الحضارة اليونانية في صرحها عبر (النحت) حيث التجسيد ولتكون التماثيل . على أن الحضارة الصينية اتخذت لذاتها صرحا (التصوير) حيث الجانب الفطري وإشراقات الطبيعة . لكن الحضارة الغربية الحديثة اتخذت من (الموسيقا) صرحا لها حيث التعاون والانسجام والبوح واللانهائي . أما الحضارة العربية فإن الصرح الفنيّ لها في سابقات عصورٍ الشعرُ حيث البطولة والفردية والصبوةُ والمثل العليا فكان (المضرب) صرحا لها . إن مُهُدَ الحضارات العلوم كلها بلا شك . لكن الفنون هي إرهاصات هذا الدفق الشعوري واللاشعوري الذي ترافدت جداوله فيض أحاسيس وخواطر ومشاعر وتساؤلات تطرق مداراتِ الحياة كلها , فكانت الأغراض الشعرية عبقريات لملكات شعرية إبداعية تتلمس جذورها في مهاد تفاصيل ما يختلج وعي الحياة الذاتية والموضوعية , يحفّز ذلك خيال وثّاب . فالشعر كما أوضح ابن خلدون ( واعلم أن فن الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب , ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم , وشاهد صوابهم وخطأهم) . هو الشعر على رأي المؤرخين الرومان: (وُلد من البلاغة والفلسفة) لذلك أبدع الشعراء الجاهليون في تعبيرهم عن خشيتهم برزانة الوقور والإحساس المرهف من السر الكامن في الوجود وشعورهم بالزمن الفاني وبالوجود المنتصر. إنه الشعر قافية كل إبداع يرقى بمستواه إبداعا فيحاكي شعراءَ وعصوراً ومعلقاتٍ ومطولات وأعلاما من زمن قافية الشيح والقيصوم إلى حيث معللتي بالوصل, ودمشق يا جبهة المجد . وما يسمو إلى حيث العلا جمالاً على جمال ليكون الشعر شعراً .

نزار بدّور ..