تحيّة الصباح .. صدى التجارب سِيَرٌ ..

أيّاً كانت تجربة المرء غنائية ذاتية , أو موضوعية عامة , مداها مابين ذاتٍ وواقع وانشغالٍ وتشاغل أو تأثير , أو تأثر  فإنها موضوعية , ولاسيما عندما تصبح عياناً في تدوين كتاب أو نصٍ مكتوب في مقال , أو خاطرة هامسة تنبس بها شفتان في مسامع الجوزاء تأملاً , وفي استبطان التفكير جمالاً , وعياً معرفياً يرصد سردية فطنة في تفاصيل خاطرٍ أو معطى تفكير مابين راحلات زمن , ومضي حالٍ في قادمات عمل . إنها السيرة الذاتية سجل مضامين لحيثياتٍ يحلّق بها جناحا العقل والوجدان فيض نباهةٍ ضمن وعي بنيوي يُحاكي صُعد الحياة بجوانبها , لتأتي تلك المضامين سجل تجارب ورؤىً وتصورات ومعارف ومهارات وأسلوب حياة , فتتراءى أنساقاً على مرايا الكلمات نسجاً تغزله أساليب سردية تجمع الخاص بالعام والعضوي بالجدلي , فنقرأ كل ما سبق اختمار تجارب , ومسار حياة في اكتناز مؤونة , هي حصاد العمر , وتفاصيل فصوله , ونقرأ في حُسن تدبّر ما تشرق به سطوراً , أو تغيم به مكابدات , ليكون ما رقشه المداد حاضراً قراءة مرسلٍ لمتلقٍّ ضمن فروق فردية , لا يجافيها تدرّج في قراءة تقيمية مقاربة إنسان إلى عالمه , وإنسانٍ إلى عوالم الحياة. فتكون السيرة الذاتية خاصّية صاحبها في مضامينها وأسلوبه واتجاهاته وميوله وسرديات أحداثٍ ووقائع , وموضوعية في ذات متلقٍّ ما بين ذاته وما يتفاعل متأثراً بما جدّ في وعيه من تأملات ربطاً مع ما قرأ , وربطاً مع ما يعيه , ربما عايش بعضاً منهم في خضمّ الحياة . هي السيرة الذاتية عالمٌ رحبٌ يتسع ويضيق , لكأن السارح بها يمدّ خطاه تعرّج ضفافٍ على سرير نهر , فتأنس نفسه وداعة طمأنينة في ما مضى , وربما تطيف دمعة لمنعطفٍ أقعده استواء حال وربما استقام خطوه أهازيج آمالٍ في سعادة بال وهو ما بين هذا وذاك يحثّ الكلمات سطوراً لا تبرح حيّزها ضمن مراعاة مقتضى حال في صراحة تعبير أو إيماءة برمشة حرف على مطلول نظرة في مباشرة مآل . إنها السيرة الذاتية صدى التجارب , وغنى الثقافة وبلاغة الأسلوب , ووقع المعاني في مكامن الذوق الرفيع . إنها حضور هذا الجنس الأدبي في الثقافة عامة والمجتمعية خاصة ما بين طريقة سردٍ بضمير متكلّم كما في /رحلتي مع الحياة/ لرشاد رشدي أو / الأيام/ د. طه حسين بضمير الغائب ومابين هذا وذاك ذات الأديب أو الكاتب وما يعتلج في الخاطر , أو ما يكون من تنفيسٍ انفعالي. لقد أضحتِ السيرة الذاتية نبوغاً في العصر الحديث تتسابق إليه الأقلام ,وما فن السيرة بجديد ففي تراثنا " عيون الأنباء في طبقات الأطباء" .. هي رحلة الإنسان والواقع معاً . إنها السيرة الذاتية شروع مراكب تهدهدها الذكريات وتستوقفها مرافئ الذاكرة .

نزار بدّور ..

40.jpg