تحية الصباح.. وعي الأنا..

"أنا" هذا الضمير المنفصل إعراباً , والمتصل والمتواصل حضوراً تفاعلياً ضمن معطى التفاعل البنيوي مع نسيج المجتمع عبر منظوماتٍ لأنساق حياة , ومستويات جوانب ترسم معالمها مؤشرات , هي مباشرة التأثر والتأثير في تمكين المرء ذاته حضوراً مابين كينونته الخاصة وبنى الواقع المعيش , إذ يتماهى هذا ضمن ثنائية الخاص والعام . وإذا ما كان تعبير المرء عن ذاته في تلقائيته الذاتية كامناً في خصوصية ذاته تعبيراً عن استغراقٍ في تعاطف ذاتي بما يختزن من حبٍّ وأثرة , فإن فكرة " الأنا" في وعيها الجمالي تنفتح على مداراتٍ متعددة لنراها في تمثّل أرقى صدىً لمعيار التجربة , ومكاناً لمتسع خيالٍ في إبداع , واتقاد عاطفةٍ في وجدان , ورقي تأملٍ وتفكير في ابتكارٍ وإعمال كلّ حذاقة في فرادة إنتاج أو نتاج.

   إن "الأنا" فكرة تشكل جزءاً من العالم . وجميلٌ قول / شوبنهار/ : " العالم هو ما أمثله فيه" فحقيقة الأمر هي هذا الترابط العضوي , والجدلي أيضاً مابين المرء ودلالة حضوره والواقع ومدلولات أثرها فيه و أثره فيها . وإذا ما أردنا مقاربة دلالة ضمير المتكلم وفق حيثية الخصوصية الذاتية , فإننا واجدون من أهمية ذلك ضمن قيمتي : المسؤولية والواجب فغنى الفرد قيمةٌ مضافة إلى غنى غيره , وبكليهما المجتمع . وبالتالي فإن تعزيز تحصين المرء لنفسه معرفياً ووجدانياً ومهارياً على أساسٍ من مثابرةٍ في حصاد ومعارف , واستنباط أفكار, وتعاضد مبادرات , واغتباط نجاحات لأي إنتاج أو منتج هو تمكين لفرادة الأداء النوعي لثنائية العقل والوجدان , وحيوية الحاضر , ورزانة المستقبل تعبيراً عن معنى الحضور المفيد الناجع وهذا ما يحقق أحقية توكيد "الأنا" عبر مسار الذكاء الإنساني , وحفاوة المرء بما نثرت كفه من بذار , وأُنتشتْ غراساً في حقولٍ قاربتْ كروماً , وتغنّى بها كرّام. وإذا ما شدّنا ذاك الضمير في بلاغة القوافي والإحساس بالتفرّد فسرعان ما نجد أنفسنا أمام مطالع لكثير من أبيات الشاعر المتنبي ما بين اختزان لتجربة , وحفاوة بالذات في مركزية أناه . على أن "الأنا" في الفلسفة تعزز دلالتها فكرة محورية كونها العامل الفعّال لما تمثّله من قدرات فـ / ديكارت/ : " هي المبدأ الحدسي للتفكير العقلي " وآخرون لم يجانفوا الذاتية الفردية في عوالمها وانفعالاتها تميزاً بها. وقد أخذ مفهوم "الأنا" حضوره الرمزي , لما يحققه الرمز من طاقات إيحائية لما يرمز إليه ويحمل من رؤى وتصورات , ولاسيما أن الرمز يشكل مركز الإشعاع الدلالي في بنائية التعبير مشافهة أو تدويناً , وخاصة عندما يتماهى مع الزمن اللغوي وفق التشكيل التركيبي , واستحضار الزمن النحوي تماهياً مع أنساقٍ لغوية أخرى وإشراقات خيال ابتكاري , فعندئذ يحقق الرمز لمفهوم " الأنا" معنى تعبيره إذا ما تمّ إحكام الربط بين الرمز والمدلول ببراعة مبدع فتأتي الوظيفة الفكرية للرمز ناهضة الفائدة الجمالية وبالتالي يحقق الرمز جماله المعرفي موسعاً في المكان لمزيد من تأملات يجتهد فيها استقراء وتأويل على مرايا ثقافة قارئ ما بين إفادة من نص وإفادة لرؤوس أقلام على ما قرأ في ذاك النص , أو ما سمع من مطالعة تدور حول أمر ما ولاشك أن التعبير عن "الأنا" موضوعي في قراءة تراعي مقتضى الحال لفهم مصطلح الفروق الفردية , ودلال التدرج لخصوصية كل منّا / نحن النّاس/ حيث الصروف والظروف والميول والاتجاهات , والاعتمادية مابين الطبع والسجية ومدى صقلها من جانب معرفيا وخبرات وتجارب حياتية واعتمادية المحكّات المعرفية والمهنية والمهارية في مكامنها عبر ثنائية : استثمار الوقت , واستثمار القدرات الذاتية من غير أن يغيب عن ذواتنا أن شمولية البنية المجتمعية هي أضمومات حضورٍ , جمالها في نفح طيبها وعي تكاملٍ , زادها خبرات وقيم وعلوم ومعارف وتجارب حياة.

 نزار بدّور

40.jpg