سوء استخدام المبيدات خطر على المزارع والمستهلك

تُنفق سنوياً ملايين الليرات السورية ثمناً للمبيدات الحشرية والفطرية المخصصة لمكافحة الآفات الزراعية على وجه التحديد , و رغم أضرارها المعروفة لأغلب العاملين في القطاع الزراعي  إلا أن استخدامها ما زال بازدياد وبدون  ضوابط أو خطط كاملة و موسعة لأعمال المكافحة ,وفي أحيان كثيرة تكون  المبيدات الزراعية مجهولة المصدر ومنتهية الصلاحية , و الأمر الملفت أكثر هو تجاهل التأثيرات الجانبية لمواد المكافحة التي يتعامل معها بعض المزارعين  دون مراعاة لأدنى مستويات الاحتياطات الوقائية والبيئية, حتى غدا التوسع في استخدام المبيدات يهدد بمخاطر لا تحمد عقباها, ففي الوقت الذي يعتقد معه  بعض المزارعين أن زيادة  استخدامهم للمبيدات ستزيد من ريعية إنتاجهم - وهذا يعد من الأخطاء الشائعة -  علماً أن الجهات المعنية بتطوير القطاع الزراعي أعدت الكثير من البرامج في مجال المكافحة الحيوية الهادفة لحماية النبات من الأمراض التي تنقلها الحشرات وذلك بتربية الأعداء الحيوية خاصة  وأن المراكز البحثية لديها برامج خاصة بالمكافحة الحيوية وتوسيعها , و لكن المطلوب بالمقابل ترشيد استخدام المبيدات الزراعية وزيادة الرقابة على استخدامها والتقيد بالمواصفة من حيث كميات الاستخدام وإجراءات السلامة المدونة على العبوات للتغلب على المشكلات البيئية التي  تتزايد يوماً بعد يوم ,وأصبحت تأثيراتها تظهر بأشكال مختلفة على الإنسان والنبات والحيوان.

أضرار لاحقة

 وفي حديثه للعروبة ذكر السيد يحيى السقا  رئيس اتحاد  الفلاحين بحمص أنه يتم سنوياً استهلاك  كميات كبيرة من المبيدات الزراعية  بعيداً عن الاحتياطات الوقائية من التسمم الذي يهدد حياة مئات المواطنين والعاملين في القطاع الزراعي, مشيراً إلى أن هذا الخطر جاثم وفي تزايد مستمر نظراً لعدم إمكانية التخلي عن استعمال المبيدات مخافة أن ينعكس ذلك على تدني إنتاجية المحاصيل الزراعية بشكل عام , وأكد  أن الاتحاد ينفذ العديد من الندوات والمحاضرات حول الطرق المثلى لاستخدام المبيدات للحد من مخاطرها بالتعاون والتنسيق مع مديرية زراعة حمص ,بهدف نشر التوعية بالتأثيرات الجانبية للمبيدات خاصة  أن أضرارها  لا تظهر فورا ,  وتزداد في حالات  الاستخدام التقديري  والعشوائي دون إتباع التعليمات المدونة  على العبوات ..

الأثر يتبع لطريقة الرش!

  و أشار السقا إلى أن وسائل الوقاية من مخاطر المبيدات الزراعية لا يمكن تحديدها قبل معرفة الطريقة التي يتم رش المزروعات بها، لذا فإن إدراك المزارع والمستهلك ووعيهما تعد مسألة أساسية لإيجاد الحلول الناجعة  فنحن أمام نمطين الأول هو الأسلوب السليم في استخدام المبيدات الزراعية سواء في طريقة الرش أو نسبة المواد المستخدمة ونوعيتها وهنا لا نحتاج لأكثر من الطريقة التقليدية المتبعة في  التعقيم والتنظيف إما بالماء والصابون أو ببعض المعقمات الخاصة التي تباع بالأسواق ,أما النمط الثاني الذي تنتج عنه المخاطر والمشكلات يتمثل في الاستخدام الخاطئ للمبيدات الزراعية وهو نوعين أيضا أقلهما خطورة حين تستخدم المبيدات الزراعية بكميات كبيرة بعد نمو النباتات فتتغلغل المواد الكيميائية إلى داخل القشرة الخارجية للخضراوات والفواكه وبالتالي يلزم لتعقيمها نزع القشرة الخارجية مما يعني أننا سنفقد قيمة غذائية من الألياف المفيدة التي توجد في هذه القشور كحد أدنى للخسارة الغذائية ويبقى هذا النوع أقل ضرراً من النوع الأكثر خطورة في رش المبيدات الزراعية الذي يلامس التربة مباشرة أثناء عملية معالجة التربية وبكميات مخالفة للعينات المحددة أي قبل نمو النباتات مما يعني أن هذه المواد الكيميائية ستنمو داخل الخضار أو الفاكهة وتصبح جزءاً منها وفي هذه الحالة لن يفيد التعقيم والتنظيف ويصبح الابتعاد عنها أفضل طرق الوقاية منها ..

وذكر السقا بأن الاتحاد يدعو وبشكل مستمر  كافة الفلاحين لاستعمال المبيدات البيولوجية الآمنة والصديقة للبيئة ,بالإضافة لسن القوانين اللازمة لتداول واستخدام المبيدات في التربة هو توجه سليم وظاهرة صحية تحمي المستهلكين من المتبقيات الخطرة والسامة التي قد تصل إلى التربة أو المياه أو الهواء بالتالي تضر بالصحة العامة..

الزيادة ...أسوأ من النقصان

  المهندسة الزراعية  زينة البشري أشارت في حديثها إلى أن  مخاطر المبيدات الزراعية معروفة لأغلب المواطنين  بسبب قيام الجهات المعنية بتوزيع نشرات وتنفيذ حملات توعوية متعددة , إذ أنه  وبعد زمن كانت فيه المبيدات الزراعية أداة فاعلة لمحاربة الآفات الزراعية وحماية الأراضي وتعزيز نمو المحاصيل , أصبحت بأنواعها المختلفة خطراً لابد من الوقاية منه حيث حصل في الثلاثين سنة المنصرمة  تحولا في نمط الاستهلاك - برأي المختصين -  نتيجة سوء استخدام المزارعين للمبيدات  و نقص المعلومات المتوفرة لديهم عن طرق التعامل مع هذه المواد الكيميائية التي انتقلت اليوم من مواد مساعدة إلى ضارة وسامة أحياناً , بالإضافة إلى العديد من الأسباب والعوامل التي تحيط بطبيعة تكون هذه المواد وماهيتها وشروط استخدامها ومدى خطورتها ..

 (المبيد ) آخر العلاج ..

المهندس الزراعي أنطوان جروج قال : يجب على المزارع الابتعاد قدر الإمكان عن استخدام المبيدات بنوعيها الحشرية والفطرية إلا عندما تتهدد الريعية الاقتصادية للمنتج الزراعي... فالمبيدات بوجه عام عبارة عن مادة أو خليط من مواد تستخدم في الزراعة لغرض وقاية أو معالجة أو تقليل الآثار الناتجة عن الإصابة بإحدى الآفات الزراعية مثل مسببات الأمراض  كالفطريات والبكتيريا والفيروسات والديدان الثعبانية والحشرات والأعشاب الضارة وغيرها.. وأشار إلى أن نوعية المبيد تختلف  باختلاف نوع الآفة المراد محاربتها سواء في التربة أو أثناء الزراعة لكنها جميعها تحتوي على مواد كيميائية سامة ,لذا يجب أن يحاط استعمالها بمجموعة من القوانين والشروط الخاصة بكل نبته ومحصول ,و الالتزام بتعليمات الجهات المعنية والتأكيد على تنفيذ شروط الاستخدام الموجودة على كل عبوة وعدم تجاوزها لمنع حدوث المضار الصحية والبيئية التي يتم الحديث عنها اليوم والتي يمثل أخطرها التعرض لسمية هذه المبيدات قبل استهلاكها...

 و أكد أنه من الضروري اليوم  مراقبة كافة السلع الغذائية للتأكد من خلوها من الآثار الضارة بالمستهلك و اتخاذ كافة إجراءات السلامة التي من شأنها حماية مستخدمي المبيدات من التعرض لأية أضرار عند تداولها ولاسيما في المداجن..

 بعيداً عن  أعين الرقابة

  المواطن خلدون جاويش في سوق الحميدية بحمص قال : الكثير من المستهلكين يسألون عن  الطريقة التي تمكنهم  من التعرف على المنتج الزراعي الصالح للاستهلاك ومدى تأثره بالمبيدات الزراعية والهرمونات المخصبة التي تزيد من الوزن ,وكل الطرق الشائعة  للفحص لا تعد دليلا حاسما لاستخدام مواد  تضر بصحة المستهلك وهو أمر  يستحيل إدراكه  بالعين المجردة ..

وهنا يأتي الحديث عن دور الجهات المعنية وعلى الناس أن يطمئنوا فليس من المعقول أن تترك عملية استخدام المبيدات الزراعية بهذه الفوضى والخطورة وإلا كنا سنشهد كوارث صحية  فالبلديات والدوائر والجهات المعنية بالقطاع الزراعي  وبسلامة المحاصيل الزراعية تحرص على القيام  بدورها الرقابي و التأكد من صلاحية المنتج الزراعي بشقيه الحيواني والنباتي للاستهلاك البشري ..

واليوم بات من الضرورة مراقبة وتنظم عمليات الرش وذلك بتحديد نوعية المواد وكمياتها ووضع الأشخاص ذوي الخبرة في المكان المناسب إلى جانب الحظر التام لأي مبيدات سامة وخطرة سواء في معالجة التربة أو المزروعات بالإضافة للرقابة الدائمة ليس فقط على المزارع  بل وحتى على المنتجات الزراعية المستوردة وآليات شحنها وحفظها وصولاً إلى مراقبة منافذ البيع ويبقى التحذير الأكبر من محال البقالة الصغيرة التي تتزود بالمنتجات  من المزارع مباشرة بعيداً عن أعين الرقابة , ويكثر هذا النمط في المناطق و القرى النائية التي لا تتوفر فيها كل شروط الوقاية ..

إعادة النظر بالضرائب

  المزارع نديم الديوب قال : يجب على الجهات المعنية بالقطاع الزراعي تشديد الرقابة على المبيدات الزراعية سواء كانت لمكافحة الحشرات أم للفطريات وخاصة المهربة منها وعلى الفلاحين أن يبتعدوا عن استعمال جميع المواد المهربة ولاسيما ما يخص مواد المكافحة والبذار وحتى الغراس ,خاصة بعد أن أثبتت التجربة سوء المواد المهربة, ومن الضروري  تنظيم عمليات الاستيراد ومعاملة المواد الخاصة   للقطاع الزراعي..

وأضاف :  لابد من إعادة النظر بالضرائب المفروضة على المستلزمات الزراعية كافة إضافة لدعم مؤسسات إكثار البذار وتنويع منتجاتها لتشمل أغلب احتياجات المزارع المحلي, وهذا بطبيعة الحال سيدعم الاقتصاد الوطني ..

جهاز التحليل ...معطل !!

من جهته أكد المهندس رامي اليوسف مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك أنه يتم تشديد الرقابة على جميع الفعاليات التجارية , وبشكل متكرر تسحب عينات من  جميع المواد الغذائية المنتشرة بالأسواق  لفحصها والتأكد من مطابقتها للمواصفات السورية المعتمدة ,إضافة لإجراء تحاليل لكافة العينات لتحديد مدى صلاحياتها للاستهلاك البشري..

أما عن مدى تأثر المنتجات الزراعية بالمبيدات الزراعية أشار اليوسف إلى أنه أمر غير ملحوظ بالتحاليل منذ ما يزيد عن أربع سنوات بسبب تعطل الجهاز المخصص لرصد الأثر المتبقي للمبيدات الزراعية, وعدم إمكانية إصلاحه  بسبب الحصار الاقتصادي  وعدم توفر القطع لصيانته , ونعمل حالياً  على التنسيق مع المخبر المركزي بدمشق لسحب عينات من الأسواق وتحليلها لرصد هذا الموضوع تحديداً..

مؤكداً بأن الرقابة على المواد الغذائية بالأسواق مشددة  ,والعمل مستمر بتكثيف  سحب العينات من المطاعم و الأسواق  المحلية و في حال وجود أي مخالفة  يتم حجز المادة مهما كان وزنها تمهيداً لإتلافها أصولاً ..

 و ذكر اليوسف أنه خلال العام 2018  تم تنظيم العديد من الضبوط بحق المخالفين للأنظمة المرعية  وصلت إلى 128 ضبطاً لمواد غذائية  مجهولة المصدر , وتم سحب 1102 عينات في العام  ذاته كان عدد المخالف 510 و المطابق 592 عينة لتصل نسبة العينات المخالفة إلى 46 % من إجمالي العينات المسحوبة , كما نُظم في العام الحالي 27 ضبطاً أربعة منها في الأيام العشرة الأولى من شباط ,وتوجد عينات فيها مخالفات جسيمة ,وأكد أن نسبة النتائج  جيدة  بسبب جودة المخبر و التقنية في سحب العينات ..

 أخيرا

 سلطت (العروبة ) الضوء في تقريرها اليوم على أخطار استخدام المبيدات الزراعية , و من باب حرصها على تكامل الأدوار بينها وبين بقية الجهات المعنية بحماية المستهلك والتقليل من صرفيات الاستيراد لأن أغلب مواد المكافحة للآفات الزراعية بشقيها النباتي والحيواني هي غير مصنعة محليا وتكلف الدولة نفقات مزدوجة ( الاستيراد و صحة المواطن ), و لابد من حث الفلاحين للابتعاد عن استخدام المبيدات منتهية الصلاحية كونها تسيء للمزارع والمستهلك في أن كونها تتحول إلى مواد أكثر ضررا وفاقدة لفاعليتها في مكافحة الفطريات والحشرات.. 

 

هنادي سلامة - بسام عمران