ورش تصنيع مواد التنظيف يدوياً بعيدة عن أعين الرقابة ...مئات الورش تنتج المنظفات بمواد مجهـولة المصدر وبلا مواصفات

أكياس ملونة وأنواع مختلفة نشاهدها ونحن نتجول في الأسواق وفي الكثير من الأحياء لمنتجات مجهولة المصدر , وبعد تجربة البعض لتلك المنتجات اتضح أنها مخالفة للمواصفات التصنيعية والفنية , وهذه المنتجات موجودة منذ سنوات ما قبل الحرب , التي انتشرت فيها ورش صناعية في الأحياء الشعبية إلى جانب الأحياء القريبة من مركز المدينة لقربها من الأسواق , إضافة إلى الريف البعيد عن أعين الرقابة .. وهذه الورش بدأت بحجم صغير ثم توسع أصحابها بعد رواج منتجاتهم وازداد عددها نتيجة توفر البيئة المناسبة لانتشار تلك الورش ..

ولا نستطيع إنكار أن لسنوات الحرب الطويلة دورا كبيرا في تراجع أعداد تلك الورش نتيجة تعرض الكثير من الأحياء للتخريب والتدمير من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة , لكن ذلك لم يمنع وجود المنتجات غير المطابقة لمقاييس الجودة وانتشارها في الأسواق المحلية وخاصة تلك التي تصنع و تعبأ يدويا من خلال طرق بدائية بسيطة , والجميع من أصحاب تلك الورش أو العاملين في هذه الصناعة يعزو الأسباب إلى الحاجة المادية وغلاء المعيشة والظروف الاجتماعية الصعبة التي فرضتها الحرب إضافة إلى غياب دور الجهات الرقابية في أكثر الأحيان , مما أدى إلى انتشار الكثير من المنشآت الصناعية غير المرخصة والمقامة أحيانا ضمن الأحياء السكنية أو على الأراضي الزراعية في الريف مما يجعلها مصدرا للإضرار بصحة المواطنين .. علما أن الكثير من أصحاب الورش يغفل عن الكارثة التي قد تنجم عن أخطاء في تركيب المواد ...
حاولنا تسليط الضوء على هذا الموضوع ومعرفة أسباب وجود هذه المنشآت والورش المخالفة وانتشار سلعها بكثافة في الأحياء والمحال ، إضافة إلى الإجراءات المتخذة من الجهات المعنية لقمع هذه الظاهرة المنتشرة بشكل رهيب ..
سعره أرخص
تقول السيدة سها :اشتريت عبوتين لغسل الأواني المنزلية من أحد الباعة في السوق , فأنا أشتري المنظفات المصنعة يدوياً منذ أكثر من سنتين , فهي أرخص في السعر من المصنعة في المعامل المعروفة , نتائجها جيدة إلى حد ما موضحة أن سعر عبوة سائل الجلي ضعفي العبوة المصنعة يدوياً لنفس السعة ..
مشيرة أنها تشتري المنظفات من باعةٍ متجولين، أو من الأسواق الشعبية، وأنها لم تعد تشتري مساحيق الغسيل المعروفة مرتفعة الثمن، وأصبحت تشتري صابون غسيل سائل، فهو أفضل للملابس وللغسالة، ويوفر نسبة جيدة من تكاليف شراء المسحوق ذي الماركة المشهورة .
يقول محمد أنه يشتري لوالدته مواد التنظيف من الباعة المتجولين، لكنه اكتشف أن صابون التنظيف سواء المستخدم في جلي الأواني أو غسل الملابس يختلف من بائعٍ لآخر وحتى من عبوة لأخرى، ويبدو أن المصنعين يتلاعبون عن قصد بالمواد الفعالة التي تدخل في عملية التنظيف.
وأشارت اعتدال «ربة منزل» إلى أن بعض المواد خاصة التي تلامس اليد مثل سائل الجلي تكون مركزة أكثر من اللازم، وبعد الانتهاء من الجلي تلاحظ حدوث احمرار وتشقق في يديها وأحيانا يحدث «حكة» جلدية، بالمقابل يكون التركيز في بعض الأحيان قليلاً أو شبه معدوم، فنرى أن الصابون لا يساعد في تنظيف الأواني بشكل جيد.
وأضافت : اضطررت لاستخدام قفازات اليد لأتجنب تأثير ملامسة مواد التنظيف لليدين ، وتساءلت عن سبب غياب دور الجهات الرقابية سواء الصحية أو حماية المستهلك ,في ضبط مخالفات البعض وتصنيعهم مواد تؤذي أكثر مما تنفع .. .
صناعة منزلية
بالمقابل أم هيثم أشارت إلى أنها تشتري المواد الخام المستخدمة في عملية التصنيع من جارتها في الحي , وتبيعها للراغبين في التصنيع، وأكدت أنها تباع في بعض المحالٍ بشكل واضح ، ويقوم أصحابها بتصنيع مواد التنظيف بأصنافها المختلفة ، لكن البعض لا يبيعها للآخرين إنما يقتصر تصنيعه على الاستخدام المنزلي له ولجيرانه وعائلته , وحرصا على سلامتهم الشخصية صنعوا أدوات تساعدهم في عملية «خلط المواد» والحصول على المزيج المطلوب ..
إرضاء الزبائن
يقوم أبو مصطفى ببيع جميع أنواع المنظفات الموضوعة في عبوات بلاستيكية بدون أي بطاقة تعريفية بالمنتجات , وبعضها يحمل أسماء ماركات معروفة , ويؤكد أن كل ما يبيعه عبارة عن منظفات من تصنيع يدوي، حتى تلك المعبأة في عبوات مغلفة تحمل اسم شركات عالمية، مبررا ذلك بأن بعض الزبائن يصرون على شراء نوعٍ محدد من المنظفات، لذلك يحاول كما يقول إرضاءهم، فيضع لهم ما يصنعه في عبوة تحمل اسم شركة تصنع هذا المنتج أو ذاك , وعزا سبب قيامه بهذا العمل إلى ضيق الحال واضطراره لتأمين حاجات أسرته اليومية وتأمين لقمة عيشهم ..
وأوضح أنه يعمل في منزله مع أسرته دون علم جيرانه ، ويقوم بإحضار المكونات والمواد الخام من أحد التجار، ويصنع المواد، ويضعها في عبوات، ويعطي جزءا مما صنعه لصديقه الذي يقوم بعرضها في الأسواق، والجزء الآخر يقوم هو ببيعه في الأحياء السكنية القريبة ، التي اعتاد الكثير من القاطنين فيها على شراء بضاعته كونها أرخص من سعر المنتجات المعروفة ..
وأوضح أنه لا ينوي ترك هذا العمل لعدم توفر مصدر رزق آخر له ولعائلته .. حتى وإن تمت مخالفته خلال عملية البيع من قبل عناصر حماية المستهلك أو قيام أحدهم بالشكوى ضده ..
غياب الأسس العلمية
الدكتورة (ر.ع) قالت : إن الخطورة الحقيقة في صناعة مواد التنظيف تكمن في غياب الأسس العلمية، فيقوم المصنعون بخلط المواد مع بعضها البعض وتخرج لهم مادة تنظف ولها رائحة وصبغة وقد تؤدي الغرض، لكنها بعيدة تماماً عن المعايير الصحيحة.
وأكدت على وجود الأضرار التحسسية التي تنقسم إلى نوعين بعضها يحدث عند ملامسة السائل، والأخرى قد تظهر بعد فترة، ناهيك عن الأضرار التي قد يتعرض لها الشخص من خلال استنشاق بعض الروائح الناتجة عن تفاعل المواد مع بعضها، خاصة في حال الإخلال بالتركيب، أو زيادة التركيز على النسب المسموحة، وهي أضرار صحية أكبر وأخطر من التحسس، كالتأثير على الجهاز التنفسي.
إغلاق المحال المخالفة
الدكتور محمد علي غالي مدير الشؤون الصحية بمجلس مدينة حمص أكد أن ترخيص منشآت إنتاج المنظفات يحتاج إلى مناطق صناعية ,فلكل صناعة شروطها الخاصة، منوها أن المنشآت الصغيرة لا تستطيع إنتاج منظفات الغسيل البودرة لأنها تحتاج إلى تقنيات تجفيف وغيرها أما ما يلاحظ من عمليات الغش في المواد غير معروفة المصدر فقد يتم شراؤها (دوكما) ,وتبدأ عمليات الغش والخلط كأن تتم إضافة بيكربونات الصوديوم بنسبة « عالية «وبذلك تكون مؤذية للقماش والصحة وفي حال عدم تنظيفها بالماء تبقى آثارها على الألبسة وتسبب الحساسية..
وأضاف : المادة الرئيسية في الشامبو والبلسم والمادة الفعالة لا تصنع داخلياً لكن غشها وخلطها والتلاعب بالنسب والمواد الأخرى والمعطرات تتم داخل القطر , أما سائل الجلي فيمكن تصنيعه في المنازل أو الورش الصغيرة بعيدا عن أعين الرقابة»كما يعتقد البعض» وهنا ننصح المواطن بعدم شراء أي عبوة أو مواد من السوق والبسطات إلا إذا كان عليها اسم واضح وماركة صحيحة...
وأشار إلى أنه تم توجيه المراقبين الصحيين لإجراء جرد لكافة الأحياء خلال أسبوع والكشف عن وجود تلك الورش ضمن الأحياء منوها إلى القيام بإغلاق (5) محال في حي الميدان الشهر الماضي لعدم وجود ترخيص لمزاولة العمل , خاصة وأن عمل تلك الورش ضمن الأحياء السكنية ممنوع ..
تنظيم الضبوط بحق المخالفين
مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك رامي اليوسف قال : إن تصنيع أي سلعة غذائية أو استهلاكية بدون الحصول على الترخيص اللازم يعتبر أمراً مخالفاً للقانون، ويعرض صاحبه للمسؤولية.
وأوضح أن مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك تحظر وتمنع تصنيع مواد التنظيف في معامل أو ورش غير مرخصة أو في منازل، لما لذلك من أضرار صحية خطيرة على المُصنّعِ والمُستهلك، فالمواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع الصابون وغيرها من مواد التنظيف هي في مجملها مواد خطيرة، في حال وضعت بنسبٍ غير صحيحة.
وأكد أن مُصّنعِي وبائعي مواد التنظيف التي تصنع في البيوت أو في ورش سرية، يعلمون أن ما يقومون به مخالف للقانون، لذلك يعمدون إلى تسويق إنتاجهم في الأحياء الشعبية أو لأشخاص محددين يتعاملون معهم .. ، لكن عناصر المديرية يقومون بملاحقة هؤلاء الباعة والمصنعين، وضبط ما يبيعونه ..
وأوضح أن بعض ربات البيوت يصنعن المواد لاستخدامها في المنزل، وأنه لا يمكن لعناصر المديرية التحرك قانونياً إلا في حال وجود شكاوى من المواطنين، بوجود مصنع غير مرخص داخل منزل، حينها يمكن التحرك لإغلاقه، ومنع التصنيع بداخله.
مشيرا إلى أنه تم تنظيم 64 ضبطا تموينيا تضمن مختلف أنواع المخالفات «عدم الإعلان عن السعر , عدم وجود سجل وغيرها .. « منذ بداية العام حتى الآن , وتم سحب 23 عينة , تبين أن 19 منها مطابقة للمواصفات , و4 مخالفة ..
منوها أنه من الضرورة أن تكون كل السلع موضحاً عليها مواصفات السلعة وتركيبها وتاريخ الصلاحية، وهذه تكون بمثابة شهادة للمنتج يعرف بها.
تراخيص جديدة
مدير صناعة حمص المهندس بسام السعيد قال : لا يمكن لأي ورشة أو معمل البدء بالعمل إذا لم يحقق شروط الترخيص «ترخيص صناعي - وآخر إداري », وهذا الترخيص يحصل عليه صاحب المنشأة بعد قيام لجنة مشتركة تضم عناصر من « مديرية الصناعة والبيئة والمحافظة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك » بالكشف عن موقع المنشأة ومدى تحقيقها لشروط الترخيص المتضمن عدم إزعاج الجوار وتحقيق السلامة البيئية والبناء المناسب لإقامة تلك الورش , بعدها يحصل صاحب المنشأة على قرار الترخيص الإداري ويعطى وثيقة صناعية لمزاولة العمل ..
وأضاف :بلغ عدد منشآت المنظفات ومواد الزينة والتجميل التي تم منح أصحابها ترخيص مزاولة المهنة «منفذة» أربعة خلال العام الجاري , كما تم منح 4 تراخيص مبدئية جديدة لمنشآت تصنيع شامبو وبلسم وكريمات وزيوت شعر ومنظفات , سيقوم أصحاب تلك المنشأت باستكمال باقي الأوراق اللازمة للترخيص ليتمكنوا من مزاولة العمل بعدها ..
بقي أن نقول :
من الضرورة والواجب على الجهات الرقابية المختصة ملاحقة أصحاب الورش الذين يعملون دون ترخيص ، لأنّ أضرار بيع المنتجات التي لا تلتزم بالمواصفات والأسس العلمية الصحيحة وتكون غير مرخصة كبير على المستهلك نفسه، حتى وإن حصل على سلعةٍ رخيصة الثمن، لكن الجودة متدنية، أيضاً هذا يضر بالصناعات الوطنية الواجب تشجيعها، وتحقق ربحاً لمصنعي وبائعي هذه المنظفات ...
بشرى عنقة