مابين الحلاق والكوافير .. بَطُل العلاج وبقيت المجاملات

هل تستطيع الاستغناء عن الحلاق .. ؟ وأنت هل تستطيعين الاستغناء عما درجت تسميته «الكوافير » أي حلاق النساء ؟
من المؤكد أنه لا يوجد أحد يستطيع الاستغناء عن خدمات الحلاق التي باتت تقتصر اليوم على ترتيب الشعر وتلوينه وقصه بالإضافة إلى مكياج السيدات ، الكل بحاجة له وخاصة بالنسبة للرجل والأولاد الذكور وبنسبة أقل لكوافير النساء فقد أرخت الحرب التي تشن على البلاد بثقلها على العديد من العادات والتقاليد المستحدثة فاقتصرت بعض النساء على زيارات متباعدة لمراكز التجميل ومحل الكوافير والتي تكون- في معظمها- في المناسبات .. ولكنها لم تلغ نهائيا وبقيت محلات «الكوافيرية» مشرعة أبوابها .

السؤال الذي نود طرحه في موضوعنا هذا : هل بقيت مهنة الحلاق على حالها منذ نشأتها ؟
الجواب المنطقي يقول : لا، فقد تغيرت كثيرا خاصة أنها انقسمت بين مهنتين : حلاق للرجال وحلاق للسيدات وهذا ما يتأكد لنا من خلال ما نلاحظه في الواقع الاجتماعي وما نسمعه من آراء لكبار السن وكيف كانت الحال ...ولكن السؤال السابق يطرح سؤالا آخر وهو : هل بقيت الصفة الغالبة لمعظم الحلاقين وهي الثرثرة - طبعا بمضمونها الايجابي - هي الصفة الغالبة...؟؟
مهنة قديمة .. وصفات مميزة
قديما كانت مهنة الحلاق مهمة ولها ثقلها على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي فدور الحلاق لم يقتصر على قص الشعر فحسب بل على معالجة الناس أيضا فكان طبيبا ومختارا للحارة ، يتناقل أخبار الناس ويروي قصصا ويحل مشاكل .. أما الآن فقد اختلف الحال ..
ولكن بعض الحلاقين لم يستغنوا عن كل أسلحتهم فقد بقي بعضهم يقدم النصائح الطبية المختصة بالشعر وكذلك الكوافير يملأ رفوف محله بالكريمات الخاصة بالشعر والبشرة والتجميل والزيوت العطرية والحناء العربية ...
دردشة لأجل التسلية
لم تعد أحاديث الحلاقين في أيامنا هذه تأخذ ذاك الطابع الإخباري المتعلق بأهل الحارة والجيران وتناقل ما جرى ل « أبو عصام » وما فعل « أبو عنتر » كما في السابق ولكنها بقيت تأخذ طابع التسلية والفكاهة وكثيرا ما تتطرق لأوضاع البلد والعالم وخاصة فيما يتعلق بالسياسة والاقتصاد والأمر طبعا يختلف من حلاق الرجال إلى كوافير النساء حيث تقتصر أحاديث الثاني في معظم الأحيان - وخاصة إذا كانت زبونة جديدة - على آخر صيحات الموضة وما يناسبها..إلا إن كان هناك جديد على الساحة .
تقول سارة - طالبة جامعية : إن الذهاب للكوافير شيء مهم جدا باعتبار أن الأناقة والترتيب من ضروريات الحياة ولكنني أفضل الذهاب للكوافير بدلا من الكوافيرة وهذا أمر شائع بين النساء والشابات فنحن نراه أفضل من حيث الخبرة، ونظرته للجمال والأناقة مختلفة ونحن لا نستغني عن حديثه الممتع وهو كما نقول بالعامية “ مساير “ ولا يشعر المرأة أنها تجلس على الكرسي مدة قد تصل إلى الساعة أو أكثر.
السيدة منى - ربة منزل مهتمة بمظهرها نظرا للواجبات الاجتماعية التي تقوم بها وذلك يضطرها للذهاب إلى الكوافير تقول : النساء بطبعهن يعشقن الثرثرة ويشعرن بالملل من الكوافير الذي لا يتحدث وإذا اضطر الأمر يذهبن إلى غيره ليرضين طبيعتهن في كثرة الكلام .
السيدة نيرمين - مدرسة قالت : اضطر بين الفينة والأخرى للذهاب إلى الكوافير والذي أفضله ودودا فأنا أجلس على كرسي الحلاقة دون حراك ريثما يتم قص الشعر أو صبغه ومع الهدوء يصبح الضغط كبيرا علي ولذلك لا بد من تجاذب أطراف الحديث وهذا باعتقادي ما يدفع الحلاقين بشكل عام للدردشة وحتى قد تصل الحال للثرثرة ..
حلاق الرجال .. سياسي بامتياز
لا يختلف اثنان على أن الشعب السوري بطبيعته مستمع جيد وذو فكر سياسي وخاصة في ظل الحرب التي مرت على البلاد فقد جعلت الطفل الصغير يتحدث بالسياسة أما بالنسبة للحلاقين فالأمر يحمل نكهة خاصة فهو يسمع الأخبار من التلفاز المعلق في زاوية محله طيلة اليوم ويسمع الأخبار « الميدانية » وغيرها من الزبائن - وما أكثرها - وبدوره يتناقل هذه الأخبار لزبائن .. ربما فاتهم شيء مهم .
السيد جابر سمور - موظف قال : رغم انتقالي من منزل لآخر إلا أنني أعود دائما إلى حلاقي القديم الذي يحلو الحديث معه ، يعطيني الموجز وإن كانت جلستنا طويلة - لكثرة الزبائن - فإنني آخذ تفاصيل الأحداث بدقة .. إنه حقا وكالة أنباء ( كما يقال) !.
السيد محمود بدر - متقاعد قال : يختلف الحلاق بين الريف والمدينة فحلاق الريف مازال يأخذ صفة الحلاق القديم كأن يتحدث عن أخبار القرية والجيران لأن الدائرة ضيقة ... وأنا شخصيا أحب الذهاب إلى الحلاق لأنني من خلاله أعلم ما يحدث وألتقي بعض الأصدقاء... والكل يدلي بدلوه .
السيد سليمان - موظف قال : ربما أن طبيعة عمل الحلاق - قبل وبعد الظهر - تجعله بعيدا بعض الشيء عن الواجبات الاجتماعية وهو بذلك ربما يعوض هذا التقصير ويعتبر زبونه كالضيف - طبعا دون إعفاء من الأجرة -
أيضا.. توارد الزبائن بشكل روتيني يجعلهم مألوفين بالنسبة للحلاق وربما أصدقاء له .
الحلاق .. صامت في البيت
يعترض معظم الحلاقين والكوافيرية على صفة “ الثرثرة “ التي التصقت بهم منذ القديم ويؤكدون أن الوضع تغير ولا يستطيع الإنسان الذي يقوم بعمل يضطره للتعامل مع الناس أن يفرض الحديث على الزبائن ولكن قد تحدث بعض المجاملات أو بالأحرى أحاديث « لضرورات العمل » ..
الكوافير محمد أكد ذلك بالقول : عملنا طويل ومحصور بالنساء والحديث مع الزبونة يكون عفويا ولا يحمل أي معنى أو هدف ويختلف من زبونة إلى أخرى ، وحسب الحالة النفسية للكوافير ولكن الزبونة أحيانا هي التي تفرض الحديث ونحاول التخلص منه إلا أنها تتابع ومن غير المعقول أن نبتر الحديث معها .
الحلاق شعيب -قال : من المعروف عني في الحارة والبيت وبين الأقارب أنني الأكثر هدوءا وصمتا ولكن طبيعة عملي تجعلني أتحدث إلى الزبائن وهذا الأمر ليس محصورا بمهنتي ولكن بكل مهنة فيها تعامل مع زبائن ولكن تظهر أكثر في مهنتنا لأن الوقت - الطويل نسبيا - الذي يقضيه الزبون -إضافة إلى زبائن آخرين في نفس الغرفة- تجعل الحديث يطول وتصبح هناك مناقشات وآراء ...
الكوافير لؤي يقول : لدي زبونات يجتمعن بشكل دوري هنا وهن من هوات معرفة الأخبار ونقل الأحاديث ويجاملن بعضهن حتى لو كذبن .. دوري هنا أن أجامل النساء من باب الاحترام ونتيجة احتكاكي اليومي معهن قد يكون حديثي منسجما مع بعض الأفكار.
مابين زوجة الحلاق وزوجة الكوافير
ربما تكون زوجة الحلاق أهنأ بالا من زوجة الكوافير لأن الثاني يتعامل بشكل يومي مع “ الجنس اللطيف “ وهذا يولد الغيرة في قلب الزوجة القابعة في المنزل وقد تتولد مشاكل أخرى...
منى - زوجة كوافير قالت : زوجي يلتزم الصمت في المنزل والسبب أن زبائنه من النساء ويتحدث معهن طوال الوقت وهذا الأمر يزعجني رغم ثقتي المطلقة به فهو يقضي معظم الوقت معي صامتا إلى درجة أنه إذا طلب كأس ماء يشير بيده دون أن ينطق ومعظم خلافاتنا تنشأ من هنا.
عبير تثق بزوجها الكوافير ولكن مشكلتها بكلامه المعسول تقول : إن زوجي يتحدث إلى الزبونة بكلام جميل كي يقنعها بقصة الشعر أو لونه وقد لاحظت ذلك أثناء وجودي عدة مرات في المحل فطلبت منه أن يغير هذه الطريقة ولكنه رفض وحجته جملة واحدة : «هذا هو سر نجاحي في عملي » .
كلمة
لم نتطرق في موضوعنا هذا إلى الكوافيرة حتى لا يقول قائل : إن المرأة بطبعها تحب الثرثرة وكونها كوافيرة لا يقدم شيء ولا يؤخر ولكننا نعتقد أن كثرة الكلام أو تقنينه هي صفة توجد مع الإنسان ينميها أو يقضي عليها أو يشذبها .
منار الناعمة