الفنان المسرحي السيكودرامي والكاتب سائر جهاد القاسم : أدب الدعاية الفني «الكاريكاتوري الحي» شكل من أشكال المقاومة الفكرية

الجبل الأشم ليس ذاك الذي يحتجب بالضباب وإنما الحجر المقطوع والموضوع في المدماك المنسق بهذه المقولة سأبدأ تعريفي بالأديب والفنان المسرحي السيكودرامي سائر جهاد القاسم الذي استطاع أن يقدّم الأدب والفن من خلال تجربته الفنية والفكرية بمستوياتها القيمية والأخلاقية والإنسانية.
ومؤخرا قام بتأسيس فرقة شظايا المسرحية الفنية الكاريكاتورية الحيّة في سجن حمص المركزي والّذي يعتبر بهذا المشروع الأدبي الفنيّ الإنساني رائداُ في تأسيسه وخاصة وأنه يستهدف شريحة المواطنين السجناء أنفسهم إعداداً وتمثيلاً وتأهيلاً.
فكرة المشروع
وعن فكرة تأسيس هذا النوع من المسرح السيكودرامي الكاريكاتوري الحي الدعائي في السجن و تسمية الفرقة باسم شظايا وما الهدف من هذا المشروع الفني حدثنا قائلا :عندما تعمّ الفوضى الفكرية تصاب الثقافة الوطنية بـ الشظايا نظراً لحالة الاضطراب الفكريّ الّتي سرعان ما تتصدر الكثير من المفاهيم وتصل الشظايا إلى كل المناحي الثقافية وليس فقط للموروثات ,فلا وجود لثقافة بلا حصانة فكرية وطنية ولا وجود لثقافة لشعوب تائهة فقدت هويتها الوطنية .
وانطلاقاً من البنية الاجتماعية والرؤية الواضحة وخصوصاً في تحديد مواقف جذرية وخطاب ثقافي فني وإعلامي وخاصة في ظل الحرب الكونية التي تشن على وطننا الغالي سورية الحبيبة ، وما تعرضت له من كافة أنواع الإرهاب التكفيري الظلامي من جحافل القتلة الإرهابيين داعش ومشتقاتها ومن الإرهاب الفكري الإيديولوجي والإعلامي وحتى لا يزداد خضوع المرء لهذه النموذجات الثقافية ويصبح عبداً لها فتضعف عفويته المبدعة ويفتر إلهامه وتخبو في نفسه تلك الجذوة المحتدمة جذوة العفوية والإلهام الّتي هي أصل الثقافة ومشعل الحضارة ولهذا كان تأسيس فرقة شظايا الفنية المسرحية.
رفع الذائقة الفنية
وعن أهداف تشكيل فرقة شظايا الفنية المسرحية قال :هو السعي للرفع من شأن الذائقة الفنية المدروسة للحواس والذاكرة الانفعالية ورفع القيود عن تلك العفوية لدى السجين وأن ننفخ في تلك الجذوة فنثيرها ونفتح النوافذ العاتمة في سجون العقول وتحريرها من المفاهيم والأفكار المنغلقة وتنميتها في الكائن الاجتماعي وأيضا في التوجيه التربوي والعلاجي الّذي يحفّز الممثل السيكودرامي إلى تقديم عروض تمثيلية فنيّة كاريكاتورية ثقافية نقدية هادفة حيّة تساهم في تحرير الأشخاص من الكليشات أو الرواسم الثقافية وتحرير أفكاره وتصوراته وعلائقه من القيود الاجتماعية المتصلبة .
حيث سيتم إعداد وتأهيل كوادر فنية في التمثيل السيكودرامي الكاريكاتوري الحي من نزلاء السجن أصحاب المواهب والميول الفنية للمشاركة في تقديم العروض المقدمة علنا من خلال هذا العمل نستطيع إحداث تغيرات خفيفة شيئاً فشيئاً في نمط التفكير ومداواة أكبر عدد من النزلاء في السجن حتى يعودوا إلى انسجامهم مع واقعهم الاجتماعي وتعزيزا لمفهوم المواطنة الفاعلة لديهم، وهذا هو دورنا كمثقفين عضويين في الخاص وفي العام كإدارة المركز الثقافي العربي في سجن حمص المركزي، ومدّ الجسور المباشرة وغيرالمباشرة مع نزلاء سجن حمص المركزي وبإشراف وإدارة السجن وقسم التأهيل النفسي فيه فنيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً مع العمل الدؤوب والمستمر واليومي والساعي لخلخلة وتعرية المفاهيم الخاطئة وتثبيت المصطلحات الحقيقية وإثارة الوعي والفكر الوطني التنويري ولإنجاز هذاالمشروع الفنيّ الثقافيّ لا بدّ من التهيئة و الإعداد و التمثيل نفسه والتأهيل وهو الأهم وهو ما نودّ تحقيقه وما سيتمّ العمل عليه وبتعاون مع كافة أبناء البلد الشرفاء فجميعاً سنبني الوطن .
وعن العرض المسرحي السيكودرامي «كاريكاتوري حي » للرجل الواحد (ون مان شو) والذي تم عرضه في سجن حمص المركزي بتاريخ 4 _12 _2019 وقدمته فرقة شظايا من تأليفك وإخراجك , وعن اختيارك لهذا الدور التمثيلي هل هو نوع من التّحدّي قال :صدقتي التحدي قانون حضاريّ حسب رأي المؤرّخ أرنولدتويني تقابله استجابة في المواجهة , مواجهة أي استلاب إن كان للمقدرات المادية أو للمقدرات الذهنية ونحن اليوم نواجه استلاب من نوع جديد ومن استعمار جديد وهو استعمار الفكر ولهذا تبدّل أسلوب الاستعمار من المواجهة العسكرية واحتلال الأرض إلى مواجهة الأفكار واحتلال العقل ولا داعي للإطناب في فكرة تبدّل أسلوب الاستعمار من الاستعمار العسكري إلى الغزو الثقافي ولكثرة تداول هذا المصطلح في منتدياتنا وفي كتاباتنا المعاصرة لهذا نقتصر على الإشارة وبإيجاز إلى أنّ الغرب استطاع بغزوه الثقافي احتلال جغرافية العقل تماماً كما احتلّ الغزو العسكري جغرافية الأرض وجزء الغزو الثقافي جغرافية العقل كما جزّأ الغزو العسكري جغرافية الأرض وهذه التجزئة الثقافيّة حصلت بما سرّبه الغرب في العقل العربي من فلسفات وإيديولوجيات متعددة وكلّ واحدة منها اقتطعت لنفسها مساحة من العقل وهي مسافة بين المعنى والفهم تهدف إلى إبعاد الإنسان عن مشكلاته الحقيقية وأصبح هذا العقل في كثير من رموزه في الوقت الراهن أشبه بلوحة الموزاييك كلّها اختلاف ونشاز و مغيب يتجاذبها شتات من الإيديولوجيات والفلسفات الغربية المختلفة مما حوّل واقع الحياة الاجتماعية والثقافية إلى واقع مقطوع الصلة بالتاريخ الثقافي للمنطقة واقع مغترب تطبعه الفوضى والتخبّط فلا وجود في العالم العربي لأيّ تناغم في القناعة الفكرية لأفراد هذا العالم وآحاده إذ توزّع هؤلاء الأفراد على ولاءات فكريّة ولأيديولوجية فلسفية مختلفة أفقدتهم التلاحم والانسجام العقلي والشعوري وأدّت إلى هجرة العقول الّتي ليست فقط في أولئك العلماء والمفكرين الذين حصلوا على شهادات متخصصة ولم يوفر لهم بلدهم العربي موقع عمل فهاجروا إلى الغرب وإنما ثمة عقول أخرى مهاجرة أيضاً وإن كانت مستنبطة داخل جماجمهم وأجسادهم تطأ أرضاً عربية إن هجرة العقول لاتحددها معايير الجغرافيا بل يجب أن تحددها منهجية التفكير لهذا أخذ الغزو الثقافي والفكري مظهرين راحا يطبعان واقعنا الثقافي بمظهرين متداخلين متواشجين الأول يتمثّل في الفوضى الفكرية الناتجة عن وفود هذه الفلسفات والإيديولوجيات الغربية المختلفة وكان لهذه الفوضى انعكاس سلبي على النظام العقلي و النظام الاجتماعي والمظهر الثاني يتجلى في استلاب العقل وإفقاره أهمّ فعالية وهي الاستقلال في التفكير ولذلك أُصيب الواقع الثقافي في حالة فوضى فكرية وأصبحت الذهنية الاجتماعية فاقدة للانتظام والنسقية هذه القرارات الفكرية وعدم الانتظام والنسقية أفقدتهم التماسك الاجتماعي ذلك لأنّ الاعتقاد الذي يسكن عقلية الإنسان و شعوره.
يحدد له رؤية معينة إلى نظام القيم الاجتماعية ويحدد له المفاهيم والمصطلحات لكن حين تتناقض الاعتقادات تتناقض بالتالي الرؤية إلى نظام القيم و تختل المفاهيم و الحرب التي شنت علينا هي حرب مصطلحات وعلينا إدراكها .
أمّا عن دور المجنون الأدبي الكاريكاتوري الحيّ وعن هذه الشخصية الّتي بيّنتها فكريّاً وفنيّاً هي عن مقولة تقول بأنّ المجنون الأدبي هو فيلسوف يرتدي قناعاً وبناءً عليها كان ذلك وأيضاً بقول للفيلسوف ميشيل فوكو حين قال بأنّ للجنون تاريخ وفي أن تكون الرؤية العلاجية بكلّ أبعادها التقويمية والأخلاقية والاجتماعيّة جزءاً لا يتجزأ من هذا التاريخ ومن هنا تتحدد كذلك خصوصيّة الجنون الوحيد الّذي لا ترتسم خطوطه أو تبرز ملامحه في لقاء خالص مع الطبيعة فحسب وإنّما هو الوحيد الّذي يؤكّد كذلك هويته ويكتسب حقّه في الوجود أو بالأحرى في اللاوجود داخل إطار ثقافيّ .
وعن الشخصيات الّتي أثّرت في تشكيل ورسم ملامح هذه الشخصيّة التمثيلية / الكاريكوتوري / المجنون الأدبي إن كان أديباً أو فنّاناً أو فيلسوفاً قال :أديبا شخصيّة / دونكيشوت / وفلسفيّاً شخصيّة الفيلسوف / نيتشه / الّذي انتهى المطاف به إلى هاوية الجنون وعالم الاجتماع أوجست كونت وأيضا أفكار الفيلسوف (ميشيل فوكو )وعلى الصعيد الأدبي أيضاً العنبر رقم 6 للكاتب الروسي أنطون تشيخوف و من المشاهد التي قدمتها في العرض المسرحي هي الّتي كان لها التأثير على المشاهد ومن هذا مقطع من النص المسرحي الّذي كتبته ومثّلته والّذي بدأت فيه العرض بإهداء إلى الّتي تلملم بكفي الوفاء دموع المحطّات ووجه المدن وذكريات الأمكنة وكسرت ببروق انتصارات جيشها العظيم الجيش العربي السوري عتمة الحزن في صدري إلى حبيبتي الغالية سورية تعالي وأزيحي غبار الحرب عن ذاكرتي فمن دونك بدأت تفوح من روحي رائحة اليباس وأيّامي أصبح طعمها كالرماد ولم يبق من بعدك سوى ظلّي الذي يجلس على حافّة العمر خلف ستائر غبش الدم وعجاج الحرب ينادي ذاكرة للبيع ..ذاكرة للبيع ..ذاكرة للبيع حتى إذا سألت ظلّي ( بكم .)
-فأجاب ...(بقدر ما تملك من وقت) .. ورحت أجمع ما تبقى من الوقت الّذي أهدرته وأنا أركض خلف الأثر ...فلم أجد إلّا ذاتي فجمعتها ورحت أركض خلف الأثر من جديد ...لكن بعد أن قطعت مسافة ذات أثر من العمر تذّكرت بأنني لم أسأل ظلّي عن أي ذاكرة كان يقصد هل كان يقصد ذاكرة الجسد أم ذاكرة الروح أم ذاكرة الخلايا أم ذاكرة الوطن .
وعن مفهوم المصطلحات التي اشتغل عليها في هذا النوع من المسرح السيكودرامي / الكاريكاتوري الحيّ/ ومسرح أدب الدعاية/ أو كما اصطلح عليه / الملكية العامة لوسائل التأثير الاجتماعية قال : أدب الدعاية لا تقتصر رسالته على الناحيّة السياسيّة فقط بل والأهم النواحي الاجتماعيّة ؛ فأدب الدعاية هو نوع من الكتابة يدعو فيه المؤلف إلى آراء وفلسفات بعينها سواء كانت هذه الآراء سياسية أو اجتماعيّة وهو وسيلة من وسائل تنوير الأذهان وتوعية القارئ وإثارة اهتمامه بمشكلة أو فكرة معينة بمعنى هنا هو ليس فقط مجرد تحفيز الهمم إنّها عملية تحريك ...عملية نقل إلى حيز الفعل بحيث تشكّل عملية دمج بين الدعاية الخالصة والفن الخالص مثل شخصية / الأندبوري/ أو الرجل الجريدة/ التي ابتكرتها لتفعيل هذا العمل وذلك تمهيداً للوصول إلى الفعل الاجتماعيّ ولا بدّ أن ينطوي بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة على دلالة اجتماعيّة ولابدّ من اشتمال هذا العمل على بعد دعائي .
وأضاف : فن الكاريكاتوري بشكل عام هو فن مشاكس يعمل على تعرية الواقع ويعتمد على الفكرة / الدهشة / المفاجئة / الصدمة/ وضمن رؤية فكرية ونقدية محضة ولها دور كبير إذا استخدمت في سياقها التاريخي الصحيح وأن تحدث تغييراً في الظروف والحياة ومثال ذلك : هي صورة كاريكاتورية للرسام الكاريكاتوري الأمريكي / إدوارد ميرنسي / الّذي لعبت رسومه دوراً كبيراً في دفع الأمريكيين لتأييد قرار الإدارة الأمريكية بالدخول في الحرب العالميّة الثانية عندما وضع رسماً لأسراب من الطائرات اليابانية وهي تغيّر على تمثال الحرية في نيويورك هنا تمّ مخاطبة حتى الغرائز من أجل تسهيل الحرب .
وعن أعماله المستقبلية قال :إنني قمت بتأليف وإخراج مسرحية للأطفال من مصابي الحرب وذوي الاحتياجات الخاصة لقسم الأطفال في المركز الثقافي في حمص وسأشارك الأطفال في هذا العرض وهو بعنوان / طائر بلا أجنحة / و عمل آخر بعنوان (الرقص على إيقاع هديل الموت )لوزارة الشؤون الاجتماعية و العمل يستهدف السجناء وهو حول / المخدرات/ وأيضاً قمت بتأليفه وإخراجه وسأشارك السجناء التمثيل فيه أيضاً بالإضافة إلى تأليف وإخراج عمل مسرحي بعنوان السقوط إلى الأعلى هي رحلة الصعود إلى الوعي وسأشاركهم في التمثيل .
وختاما قال :الحقيقة الأكثر قسوة تتلازم مع الرمزية الأكثر شعرية مع اللا واقعية الأكثر طغيانا مع الجنون الأدبي الأكثر عقلانية وإنسانية ... ليس بسبب تلك المشاعر الجنونية بل لان (المجنون الأدبي ) هو جزء من تلك الحقيقة.
هيا العلي