هل تقتلنا العادات الاجتماعية؟

نحن العرب شعب عاطفي ، ولا يشبهنا في هذا الطبع سوى شعوب القارة الأمريكية الجنوبية رغم البعد الجغرافي بيننا، ربما أثّر فيهم المهاجرون العرب الذين استوطنوا تلك القارة خلال القرن الماضي!.. من يدري؟!!

نحن نبكي تأثّراً بمشهد تمثيلي في فيلم أو مسلسل درامي، ونضحك حتى تنهمر دموعنا لمجرّد أن نرى الفنان عادل إمام على الشاشة، ونغضب إلى حدّ تحطيم الأكواب وأجهزة التحكم بالتلفاز إذا خسر فريقنا المفضّل مباراة ما أمام خصمه، حتّى وإن كانت مباراة ودّية!.

كل ذلك لا شيء أمام أسلوبنا العاطفي في التحية والسلام، والالتزام المفرط بالعادات الاجتماعية تحت مسميات تندرج في إطار (الواجب الاجتماعي)، وما إلى ذلك من موروث ثقافي واجتماعي لم يعد له مكان في ظلّ الظروف الراهنة.

في السلام نتعانق، ونقبّل الخدود، ونلتهم الأطفال حبّاً واشتياقاً، ونتحدّث بأيدينا أكثر مما نتحدّث بألسنتنا، ربما لتأكيد وجهات النظر التي نطرحها، أو للتأكّد من أنّ المستمع يستمع لنا بكلّ جوارحه.

نهرع بدون تردّد للمشاركة في الأفراح والأتراح وعيادة المرضى، فهذا واجب اجتماعي، ولا يجوز أن نقصّر فيه، حتّى لو أتى هذا الواجب بهلاكنا!

منذ أن ابتلينا بجائحة كورونا واتضحت معالم الفيروس وطرق انتقاله، وجّه العلماء والأطباء جميع البشر على امتداد العالم، إلى طرق التصدّي للفيروس وأساليب الوقاية منه، وكان من أهمّها تحقيق التباعد المكاني  قدر المستطاع.

بالطبع في مجتمعنا يبدو الأمر صعبا في أغلب الوقت، لأنّ الواقع المعيشي في الوضع الراهن يفرض على المواطن أن يغادر منزله إلى عمله، مهما كان هذا العمل..

سلّمنا واقتنعنا ورضينا بهذا الواقع المرير الذي يضعنا في مواجهة مباشرة مع خطر الإصابة بالعدوى، على أن يلتزم المضطر لمخالطة الناس بأقصى درجات الوقاية من تعقيم وحماية للوجه واليدين، وتجنّب لملامسة الآخرين واستخدام الكمامة .

لكن ماذا عن الواجبات الاجتماعية القاتلة؟!.. هل من سبب مقنع يجبرنا على الالتزام بها؟!

ألم يكن أوّل تفشٍّ كبير للجائحة في سورية بسبب عرس أقامه سائق لابنه في إحدى قرى ريف دمشق؟

منعت الحكومة مثل كثير من حكومات العالم التجمعات الكبيرة، كالأعراس والتعازي والحفلات ، لكن هل التزم الناس؟! وهل توقّفت الجائحة عن الانتشار؟!

بالطبع لا، بل ما حصل هو العكس، فقد أعيد فتح المدارس والمعابد وصالات الأفراح و مجالس التعزية، وهي وإن كانت في معظمها غير إلزامية، إلّا أنّ الخجل من التفريط في واجب اجتماعي وضع الناس مجدداً في دائرة الخطر، حتّى بتنا اليوم نسمع بعدد كبير من   الإصابات الجديدة كلّ يوم، بعد أن كنّا من أكثر دول العالم حظّاً في قلّة عدد الإصابات.

تجارب قليلة لكن رائعة نفّذها بعض الواعين من الأشخاص والعوائل، حين طلبوا أن تكون التعازي عن بعد، عبر الهاتف أو الرسائل النصية أو وسائل التواصل الاجتماعي، وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك حين أنشؤوا صفحات اجتماعية خاصة بقرية ما من نوع (مبرّة إلكترونية) لتجنّب الاختلاط بين الناس.

فهل يقتنع شعبنا العاطفي المحبّ للتقارب والمؤازرة والملتزم جدّاً بعاداته وتقاليده وموروثه الأزلي، بأنّ الاتصال الهاتفي يؤدّي الغرض ذاته وينوب عن الحضور الشخصي؟

هل يقتنع شعبنا أنّ إلغاء التعازي والأفراح -حتى بدون أمر حكومي- من شأنه أن يوفّر الكثير من المال والتعب والمرض لأصحاب المناسبة الاجتماعية المذكورة؟

أرجوكم استيقظوا وأدركوا أن وقاية المجتمع من المرض أهمّ بكثير من الحفاظ على عادات اجتماعية تجاوز عمرها عمر أعمدة تدمر وألواح أوغاريت الطينية.

آس يوسف غاله