حديث الأولين ... الجاحظ بين المزح و الجد

العدد: 
13604
يقول الجاحظ في خصال الهزل و فضائل المزح أنه دليل على حسن الحال و فراغ البال , و أن الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة

و المزح لا يكون إلا من فضل الغنى , و أن الجد نَصَب , و المزح جمام , الجد مبغضة و المزح محبة . و صاحب الجد في بلاء ما كان فيه , و صاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه , و الجد مؤلم و ربما عرّضك لأشدّ منه , و المزح ملذّ و ربما عرضك لألذ منه . فقد شاركه في التعريض للخير و الشر , و باينه بتعجيل الخير دون الشر . و إنما تشاغل الناس ليفرغوا , وجدّوا ليهزلوا , كما تذللوا ليعزّوا , وكدّوا ليستريحوا , و إن كان المزاح إنما صار معيباً و الهزل مذموماً , لأن صاحبه لا يكون إلا معرّضاً لمجاوزة الحد, و مخاطراً بمودة الصديق . فالجد داعية إلى الإفراط , كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر و التجاوز للحد قاطع بين الفريقين في جميع النوعين . فقد ساواه المزح فيما هو له و باينه فيما ليس له. و إن كان المزح إنما صار قبيحاً لأن الذي يكون بعده جد, , و لم يصر الجد قبيحاً لأن الذي يكون بعده مزح , وكان الجد في هذا الوزن أقبح , وكان المزح على هذا التقدير أحسن , لأن ما جعل الشيء قبيحاً أقبح من الشيء , كما أن ما جعل الشيء حسناً أحسن من الشيء . فأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزاح في موضعه , كالجد في موضعه , كما أن المنع في حقه كالبذل في حقه .‏