نجران تحت الصفر

العدد: 
14105
هل تذكرون " اليامي " بطل رواية ( نجران تحت الصفر للأديب العربي الفلسطيني " يحيى مخلف "؟!

إنني أتذكره هذه الأيام كثيراً ، أتذكره لأن آل سعود يفعلون ما يفعلون ولم يكن فعلهم سابقاً ليمسنا مباشرة في سورية ، ولكنه اليوم أصبح اعتداءً سافراً علينا بكل ما يعنيه العدوان من همجية وعنف وسخف وحماقة وجبن وندالة .‏

" اليامي " يتصل بالجمهوريين وجزاء الذي يتصل بالجمهوريين الموت ، في عالم الإمام المخلوع في اليمن الذي احتشد لإعادة ملكه إليه كل المرتزقة والعسس والمطاوعة والأثرياء الذين يمتصون دم الشعب كما يمتص القات الدم من العروق ، ومن فوق هؤلاء المستعمرون الذين هالهم أن يصل الحكم الجمهوري إلى نجران ، أي أن تصل الثورة إلى تخوم البترول .‏

لقد كان محتملاً ولو على كره أن يؤمم عبد الناصر القناة ، وأن يبني السد العالي ويمصر البنوك ويقود حركة التحرر العربية في مصر والوطن العربي ، أما أن يصل إلى مناطق البترول فهذا ما لا يسمح به المستعمرون وصنائعهم بأي ثمن . إن حالهم هنا كحال أبي نواس الذي قال إذا ما شربناها ودب دبيبها إلى موطن الأسرار قلت لها : قفي. أي لما دب نفوذ التحرر الوطني إلى نجران ، في جوار ممالك البترول قال المستعمرون والملوك والأئمة للنظام الجمهوري قف . وبدأت تلك الحرب الرهيبة بين أنصار الجمهورية وأنصار الإمام المخلوع .‏

واليامي متهم بالاتصال بالجمهوريين ، لذلك حكم عليه بالإعدام في الساحة العامة .توقفت سيارة البيك آب الحمراء فأحاط بها الجنود وتقدم رجلان وقفا عند بابها الخلفي . انحبست الأنفاس وفجأة انفتح باب السيارة الخلفي عن اليامي ... وجه منحوت من الصخر ، وعينان ثابتتان ... حول الرقبة قيد تتدلى منه سلاسل تتصل بقيود رسخية وقدميه ... كان الصمت هائلاً ، ومثل حجر الصاحون ثقيلاً .‏

وبوشنان ، بطل الرواية الآخر ، العامل الذي اشتغل في الأرامكو وتعلم الانكليزية وناضل مع زميله مشعان ، ثم خرج وقد حطم السجن ثوريته ، يمضغ القات على طرف الساحة . إنه يرى إلى إعدام اليامي ويقول في نفسه :" والله يا بوشنان إنك لتدفع كل عمرك من أجل اليامي ، ولكن ما باليد حيلة ، وغداً لن تجد في الكأس سوى دمعة واحدة تظل تكبر حتى يمتلئ الكأس بالنشيج . وأشار مندوب الأمير بيده أمراً بتنفيذ الإعدام باليامي ( هوى السيف فاختلط الحابل بالنابل والأسمر بالأحمر والبارد بالسخن ، وشحب الدم ولكن لم يتدحرج الرأس ، أغمض مندوب الأمير عينيه وارتسم فزع لا يطاق على وجه أحمد شاهي .. لقد أصاب نصل السيف أعلى الكتف ... صرخ اليامي من أعماق جمجمته بصوت مثل صرير الأسنان ، وبدا مثل ديك ذبحوا منه الوريد فهاجت حلاوة روحه ، وانطلق يبحث عن عراء .. قفز في الهواء فشدته القيود والسلاسل ، ارتمى على الأرض يرتعش وهو يلفظ آخر أنفاسه ، وهتف بوشنان بكل ما في أعماقه من قهر :" أنا فدى عيونك يا يامي .. أنا فداك ".‏

هذا المنظر الرهيب البالغ الوحشية لتنفيذ الإعدام باليامي يتجاوز حدود إعدام شخص إلى حدود الساحة العامة للوحة الإرهاب الدامي ضد الجمهورية التي رسمها قلم يحيى خلف في روايته " نجران تحت الصفر " رسما فذاً فيه كل الهول . وفيه كل الغضب الذي ينبض بالعروق ضد هذا الهول وصانعيه ، وما زال آل سعود يصنعونه في بلادهم وفي بلاد الآخرين !‏