جوته وتأثره بالأدب العربي والدين الإسلامي

العدد: 
14363

المثاقفة بين الشعوب أمر ضروري لأنها تفتح النوافذ للتلاقي والتأثير فكل شعب يأخذ من ثقافة الآخر ما يفيده ويساهم في تطوير فكره وحضارته وإنسانيته ويترك ما لا يعجبه وبالتقاء الثقافات تكون الثمار الطيبات .
وإذا كانت الشعوب تسعى بشكل حثيث تجاه المثاقفة فهي في الوقت نفسه ترفض أشكال الغزو الثقافي الذي لا يؤمن بفكر الآخر وإنما بالهيمنة التامة وإلغاء ما أنتجته عقول الآخر وقد عبر المهاتما غاندي عن ذلك عندما قال : " إنني أفتح نوافذي للشمس والريح , ولكنني أتحدى أية ريح أن تقتلعني من جذوري " وهذا يعني أن استقبال فكر الآخر لا يعني إلغاء التراث والجذور وما أبدعته عقول أمة من الأمم أو شعب من الشعوب .
من هذا المنطلق يعد " حوار الثقافات " ضرورة حيوية لمختلف الشعوب وأي شعب يرفض المثاقفة فإنه يكتب موته بيديه .
وتقوم المثاقفة على آلية الترجمة التي تعد الركن الأساس في هذه العملية وفي القدرة على إيصال فكر الآخر دون تشويه أو أي تأويل يسيء الى النص المترجم .
ولقد انتبه الغرب في مجال الفكر والأدب الى المخزون الثقافي العربي وأخذ يترجم الكثير من هذه الكنوز الثمينة والتي خلقت لديه وسائط ثقافة تفاعلية تمايزت بين الايجابية والسلبية .
ويعتبر الألماني يوهان وولفجانغ جوته النموذج الأمثل لحالة المثاقفة مع الآخر وخاصة العربي إذ كثر لديه التأثر بالشعر العربي القديم وخاصة الشعر الجاهلي والاحتذاء ببعض مبادئ الدين الإسلامي وبعض آيات القرآن الكريم وجوانب من شخصية الرسول العربي محمد ( ص ) إضافة الى إعجابه وتأثره بالشاعر حافظ الشيرازي واستحضاره إياه في أشعاره .
وقد تناولت الباحثة الألمانية كاترينا مومزن /1925/ في كتابها " جوته والعالم العربي " الذي صدر عام 1988 هذه العلاقة الفكرية والأدبية ما بين جوته والحضارة العربية الإسلامية إذ تشير الباحثة الى العلاقة الوطيدة والتأثر الجميل لجوته بالدين الإسلامي وبالنبي الكريم محمد /ص/وهذا ما يدعو للدهشة خصوصاً أن معرفته بالقرآن الكريم كانت بعد معرفته بالكتاب المقدس وهي أوثق من معرفته بأي كتاب من كتب الديانات الأخرى .. إذ نظم جوته وهو في الثالثة والعشرين من عمره قصيدة جميلة ورائعة أشاد فيها بالنبي الكريم (ص) وأعلن على الملأ أنه يعتزم الاحتفال بخشوع بالليلة المقدسة التي أنزل فيها القرآن على النبي الكريم "
وترجع الباحثة الألمانية مومزن موقف جوته من الدين الإسلامي الى العصر الذي عاش فيه حيث حركة التنوير التي أكدت على التسامح والتي عملت على تبيان قيمة الأديان الأخرى غير المسيحية .
في عام 1773 كتب جوته قصيدة بعنوان " أنشودة محمد " مدح فيها النبي مديحاً حاراً بعد أن قرا كل الدراسات التي كتبت عن الرسول وفي مسرحية " محمد " أعطى جوته اهتماماً كبيراً لعقيدة التوحيد في الإسلام كما حملت روايته وأقاصيصه تأثيرات الأدب المشرقي أكثر من غيرها وهذا يعود الى قراءاته لهذا الأدب العريق .
كما فتن جوته بالشعر العربي وبالقيم العربية التي كانت تحملها الملاحم العربية ومن أكثر الأشعار التي أثرت فيه أشعار المتنبي وكذلك الملاحم الغنائية لأبي تمام .. ووصل إعجابه بالمعلقات الى درجة انه قام بترجمتها عام 1783 بمساعدة أستاذه يوهان جونفريدهيردير الى اللغة الألمانية يقول في هذه المعلقات :
" إنها كنوز طاغية الجمال .. ظهرت قبل الرسالة المحمدية " مما يعطي لنا الانطباع بأن القريشيين كانوا أصحاب ثقافة عالية وهم القبيلة التي خرج منها  النبي محمد ( ص) ومما لاشك فيه أن الفكر والأدب العربي كان لهما تأثيرهما الكبير على الغرب الذي أخذ الكثير من إبداع العقول العربية وليس غريباً أن يكون جوته احد العمالقة الكبار الذين تأثروا بالأدب العربي وبالدين الإسلامي القويم لأنه دين اهتم بالإنسان أينما وجد دون أي تطرف أو تفكير للآخر .
بقي أن نذكر أن جوته ولد عام 1749 وتوفي عام 1832م

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نجاح حلاس