قصائد معطرة بعبق الشهادة

العدد: 
14363

في السادس من أيار عام 1916 كتبوا لحن الخلود بدمائهم الزكية المعطرة بالعبق الدمشقي لأنهم ارتضوا الشهادة مبدأ لايحيدون عنه , وطريقاً من أجل حياة أزلية .. حياة طهر ونقاء وبياض .. ولأنهم أحرار في تفكيرهم ووطنيون في وجدانهم وضمائرهم وقوميون آمنوا بوحدة الوطن العربي من محيطه الى خليجه رفعوا راية الجهاد والحق ضد مستعمر غاصب عاث فساداً واستنزف خيرات هذه الأرض الطيبة المعطاء وكبل حريات الناس وكمَّ أفواههم ولأنهم مؤمنون حقيقيون بالفعل النضالي قاوموا هذا المتجبر المتغطرس .. لم ترهبهم أعواد المشانق بل تقدموا منها بكل أنفة وعزة وقوة وهم ينشدون :
نحن أبناء الألى
شادوا مجداً وعلا
نسل قحطان الأبي
جد كل العرب
وقد أشاد الشعراء بتضحيات شهداء السادس من أيار تلك البطولات التي كانت طريقنا الى دروب الحرية والخلاص من مستعمر جثم على قلوبنا أربعمائة عام .
ولأن قدر هذه الأمة أن تقدم قوافل الشهداء قافلة تلو الأخرى دفاعاً عن كرامتها فقد اعتبر الشاعر " القروي " هؤلاء الشهداء أنجماً تنير الطريق لكل التواقين الى طريق الخلود :
خير المطالع تسليم على الشهدا
أزكى الصلاة على أرواحهم أبدا
فلتنحن الهام إجلالاً ومكرمة
لكل حر عن الأوطان مات فدى
ويحزن الشاعر جميل صدقي الزهاوي للأحرار شهداء أعواد المشانق .. شهداء السادس من أيار الذين أضحوا منارة الفداء والذود عن الوطن فينظم قصيدة يقول فيها :
على كل عود صاحب وخليل
وفي كل بيت أنة وعويل
لعمرك ليس الأمر ذنباً أصابه
قصاص ولكن يعرب ومغول
وتذرف عينا فارس الخوري دموعاً حارقة على شهداء أيار .. شهداء الحرية فيعدد مناقبهم الوطنية وبذلهم وعطاءهم , وطهرهم ونقاءهم قائلاً :
أبكي ومعذرة عيني إذا ذرفت
على الغطاريف منها والأساطين
بيض الصحائف ما هانوا ولا غدروا
أنقى وأطهر من زهر البساتين
ويتحدث الشاعر خير الدين الزركلي عن هؤلاء الشهداء الذين لايمكن أن ننساهم رغم مرور الزمن لأن مشانقهم أغضبت نزار وعدنان وفجرت ينابيع الدموع في المآقي الحزينة قائلاً :
نعى نادب العرب شبانها
فجدد بالنعي أحزانها
بكى كل ذي غرّ تربة
فهاج نزارها وعدنانها
فمن للمدامع ألا تفيض  
وترسل كالسيل هتانها
فجائع هن حديث القلوب
وهيهات تسطيع سلوانها
إن ملاحم النضال لا تقف عند هؤلاء الشهداء لأن قدر هذه الأمة أن تقدم فلذة أكبادها على دروب الحرية ليكتبوا بدمائهم الطاهرة النصر وإرادة الصمود .. يرحل الاستعمار التركي عن البلاد ويحل مكانه الاستعمار الفرنسي الذي أجج النار في قلوب الغيورين على هذا الوطن فتصدوا لهذا المستعمر الغاصب وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل حرية الوطن ومن هؤلاء الشهيد يوسف العظمة الذي كان ومازال أمثولة للشهادة والفداء يقول الشاعر خليل مردم بك مخاطباً شهيد ميسلون :
أيوسف والضحايا اليوم كثر
ليهنك كنت أول من بداها
فديتك قائداً حياً وميتاً
وضعت لكل مكرمة لواها
فيالك راقداً نبهت شعباً
وأيقظت النواظر من كراها
ولأن الشهيد يسقي الأرض بدمائه الطاهرة ولأن ثرى هذا الوطن ضم تلك الجثامين التي ضحت من أجل طهره .. فإن هذه الأرض لن تنسى أبداً أن آساد الحمى ينامون بهدوء في ترابها الذي يفخر بتضحياتهم يقول الشاعر بدر الدين الحامد :
لو تنطق الأرض قالت : إنني جدث
                    فيَّ الميامين آساد الحمى ناموا
أما الشاعر عمر أبو ريشة فإنه يرى أن كل ذرة من تراب هذا الوطن قد امتزجت بتلك الدماء الطاهرة التي أريقت كي تعلو راية الحق في سماء الحرية يقول :
لن ترى حفنة رمل فوقها
                لم تعطر بدما حر أبي
أما شعراء الأرض المحتلة فقد ناضلوا بالكلمة والسلاح وكان صوتهم الصوت القوي المجلجل الذي صنع ثورة الحق ضد بني صهيون الذين احتلوا فلسطين وطردوا أصحابها الشرعيين منها يقول سميح القاسم في شهيد القضية الفلسطينية :
خلوا الشهيد مكفناً بثيابه
خلوه في السفح الخبير بما به
لا تدفنوه وفي شفاه جراحه
 تدوي وصية حبه وعذابه
هل تسمعون ؟ دعوه نسراً دامياً
بين الصخور يغيب عن أحبابه
وما إن يهل يوم السادس من تشرين  الثاني عام 1973 الذي صنع النصر الكبير للعرب بعد نكسة حزيران فيشعر الجميع بالفرح لأن أسطورة الجيش الصهيوني قد تقهقرت على أيدي جنودنا البواسل الذين أثبتوا قوتهم ومقدرتهم في كتابة لوحة النصر المجيد على دروب العزة والفخار يقول الشاعر سليمان العيسى مفتخراً بدم الشهداء الذي ينبت أزهار أقحوان في ربانا الجميلة .
دم الشهداء ينبت في ربانا
قناديلاً يضيء بها النضال
دم الشهداء يا أقلام هذا
مداد المبدعين ويا خيال
نموت لتزهر الأجيال فينا
ويضحك في مرابعنا الجمال
ويعتبر الجواهري يوم الشهادة اليوم الذي يؤرخ حياة الأعلام لذلك يبعث بتحياته وسلاماته لهذا اليوم العظيم قائلاً :
يوم الشهيد تحية وسلام
              بك النضال يؤرخ الأعلام
بك والضحايا الغر يزهو شامخاً
                    علم الحساب وتفخر الأقلام
وتستمر قوافل الشهداء حتى وقتنا هذا لتؤكد أن هذه الأرض لا يحميها إلا من عشق ترابها وانتمى لجذورها وتراثها لذلك فالإرهاب الذي أرسلوه ليخرب وطننا الحبيب سيهزم أمام ضربات جيشنا العربي السوري الذي أذهل العالم بصموده الرائع وتفانيه وقدرته على المواجهة، سيهزم الإرهاب ويندحر فهذه الأرض الطيبة لا تقبل إلا من يعشقها ويحافظ عليها ويبذل الروح رخيصة من أجلها .
 

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نجاح حلاس