كونستنتينوس كڤافيس.... أبرز الشعراء المحدثين في الأدب اليوناني

العدد: 
14764
التاريخ: 
الأربعاء, كانون الأول 21, 2016

 صاحب الاسم المستعار كونستنتين كڤافي هو أحد أبرز الشعراء المحدثين في الأدب اليوناني في القرن العشرين. ولد في مدينة الاسكندرية
في مصر لعائلة برجوازية من القسطنطينية، انتقلت للاستقرار في الاسكندرية عام 1850
حين افتتح ربّ  العائلة متجراً للاستيراد والتصدير، ولكن على أثر وفاته عام 1870 اضطرت العائلة إلى الانتقال إلى ليڤربول   في إنكلترا حيث تلقى كڤافيس تعليمه الأساسي باللغة الإنكليزية. وفي عام 1882 عادت العائلة إلى الاسكندرية وتابعت حياتها السابقة فيها، ولكن فقط حتى أحداث 1885-المرتبطة بنضال الحركة الوطنية في مصر ضد الاحتلال
البريطاني- حين رجعت العائلة إلى موطنها في القسطنطينية. إلا أن شعور كڤافيس بالانتماء إلى الاسكندرية حضّه على اتخاذ قراره الحاسم بالعودة إليها والاستقرارفيها حتى وفاته. وفي أثناء هذه المدة قام الشاعر برحلات عدة إلى أثينا وباريس ولندن، وعمل في الصحافة إلى أن حصل على وظيفة في وزارة الأشغال العامة المصرية بسبب إتقانه الإنكليزية والفرنسية إلى جانب العامية المصرية ولغته الأم، واستمر في
هذه الوظيفة ثلاثين عاماً؛ أقام في أثنائها علاقات اجتماعية واسعة، وارتبط بصداقات عديدة في الأجواء الثقافية المتعددة الجنسيات والتوجهات في الاسكندرية.

أطلق كڤافيس على نفسه لقب «الشاعر
العجوز»، مقارناً نفسه بأناتول فرانس   الذي أنجز أهم أعماله بعد أن تخطى الخامسة والأربعين، إذ إن كڤافيس لم يصل إلى صوته الخاص والمتفرد إلا بعد مروره بأزمة «التمحيص الفلسفي»   التي استمرت بين عامي 1903- 1904، هذا الصوت الذي وصفه الشاعر أودِن بقوله: «إنه الصوت الذي يبقى حياً متجاوزاً حدود الترجمة». وحتى بلوغه فرادته جرب كڤافيس قلمه في ظل تيارات متعددة، فقد كان غزير القراءة في الأدب الإنكليزي والفرنسي، فخاض تجربة الرومنسية  والبرناسية  والرمزية  فقصائده في الثمانينيات والتسعينيات ـ باللغة اليونانية طبعاً ـ تحمل بصمات شِلي    وكيتس وهوغو  إلى جانب الرومنسيين اليونانيين، إلا أن تأثير الرمزية كان الأقوى؛ ففي قصيدته « تراسلٌ حسب بودلير »   يصرح كڤافيس بميله إلى فكرة بودليرعن التراسـل والتزامن الحسـي     أما في قصيدته « البناؤون »  (1892) فإنه كرجع الصدى لرفض بودلير
مثالَ التطور الإنساني. ويتجلى التزامه بالرمزية وبحركات أدبية أخرى، كالجمالية  والباطنية والانحطاط في قصائد عدة في عقد التسعينيات، وكذلك في قصته القصيرة «في وضح النهار»

إن تتلمذ كڤافيس على مدارس شعرية مختلفة
في أثناء سنوات تبلور شخصيته يتزامن مع اهتمامه المبكر بالتاريخ، ولاسيما منه
البيزنطي والأوربي، فقد بدأ وهو في الخامسة عشرة بتصنيف قاموس تاريخي، وعندما تقدم
به العمر والتجربة الشعرية أطلق على نفسه لقب «شاعر تاريخي». والجدير بالذكر على
هذا الصعيد هو ملاحظاته التفصيلية على كتاب المؤرخ غيبون حول تدهور الامبراطورية الرومانية وسقوطها، غير المحبذة لآرائه في
تاريخ بيزنطة والمسيحية، وتبنّيه في الوقت نفسه لآراء المؤرخ اليوناني كونستنتينوس
بَباريغُبولُس التي أحيت دور بيزنطة في الوعي القومي لليونان الحديثة في النصف
الثاني من القرن التاسع عشر. وفي هذه الأجواء كتب كڤافيس مجموعة قصائده
البيزنطية ذات الصبغة القومية، التي نبذها لاحقاً، بعد استيعابه سخرية غيبون
التاريخية، وعبور الشاعر برزخ التحول نحو الواقعية والنضج الشعري عند منعطف القرن
التاسع عشر نحو القرن العشرين، حين نظم قصائده حول شخصيات من تراث شكسبير   ثم عبَّر عن اقترابه من غيبون وعن خروجه على الرومنسية التاريخية والغيبية الرمزية والجمالية.

لم ينشر كڤافيس في حياته أي مجموعة أو
ديوان، بل كان ينسخ بعض قصائده الجديدة ويوزعها على أصدقائه المقربين للاطلاع
وتبادل الآراء. أما المجموعة التي صدرت بعد وفاته، أي عام 1935 في الاسكندرية
بعنوان: «قصائد ك.ب.كڤافي»   التي تضم مئة وأربعاً وخمسين قصيدة، رتبها، وحررها الشاعر بنفسه
قبيل وفاته، فهي تتوزع على ثلاثة أنواع: القصائد الفلسفية التي تحرض على التفكير،
والقصائد التاريخية، وقصائد اللذات، علماً أن الحدود بين الأنواع ليست صارمة. تتسم
قصائد النوع الأول بمسحة تعليمية   وهي تتضمن بعض قصائده الشهيرة مثل «المدينة»   و«إيثَكا»  . أما قصائد النوع
الثاني فتعود موضوعاتها إلى المرحلة الهلنستية والرومانية من العصر الكلاسيكي؛
التي وجدها الشاعر ملائمة لشخصياته التاريخية أو المتخيلة التي يحركها بملء حريته،
إلا أن بيزنطة لا تغيب كلياً عن هذه الأجواء التاريخية. وبدءاً من عام 1917 تنطبع
قصائد هذا النوع بعنصر سياسي؛ بالمعنى الأشمل للكلمة، وتكتسب أهميتها من تناولها موضوعات
دينية وفلسفية أخلاقية وكانت أول قصيدة جريئة في النوع الثالث «أفكار خطيرة»  قد نشرت عام 1911؛ في السنة التي يعدها كڤافيس فاصلاً حاسماً في مسيرته الشعرية. أما القصائد اللاحقة الأكثر بساطة من حيث البنية واللغة فهي لا تتناول موضوعات جنسيّة شبقيّة   إلا ما بعد عام 1918.

لم يُعرف كڤافيس في العالم الغربي ولم تكتشف أهميته إلا بعد أن نشر صديقه فورستر   مقالته عن شعره بالإنكليزية عام 1919. أما أول ترجمة لأشعاره إلى الإنكليزية فقد نشرت عام 1951. وفي أواخر السبعينيات صدرت بالعربية ترجمة لبعض أشعاره للشاعر العراقي سعدي يوسف.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة