تينة الجبل_ أحمد الصافي النجفي

العدد: 
14764
التاريخ: 
الأربعاء, كانون الأول 21, 2016

هو من أشهر الشعراء العرب في القرن العشرين ولد في العراق- النجف الأشرف عام1894 وتوفي في بغداد عام 1980م . أتقن اللغة الفارسية حيث أقام في طهران عشر سنوات وترجم /رباعيات الخام/ أقام في دمشق لثلاثين سنة 1940-1970 عاد إلى بغداد عام 1976م بعد أن فقد بصره أثر إصابته برصاصة في بيروت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية .. وله قصيدة شهيرة في بغداد قال فيها:

ياعودةً للدار ما أقساها      أسمع بغداد ولا أراها

له ديوان شعريّ ضخم.. وكان قد نشر العديد من مجموعاته منها: ( الأمواج – أشعة ملونة – الأغوار – ألحان اللهيب – شرر – إيمان الصافي – شباب السبعين.. الخ)

في قصيدته /تينة الجبل/ وصف لتينةٍ شاهدها في أعلى جبل بالقرب من دمشق .. وحيدةً تحدت الأعاصير ، واعتادت العزلة والثلوج والأمطار والبرد .. مثلها مثل راهب يعيش بلا دير.. ولعلّ المكان الذي يتحدث عنه هو بالقرب من /معلولا/ كما يُذكر .. يقول:

نبتت في الجبال دوحة تينٍ                  وقفت مثل وقفة الجبّار

ألفت وحشة الدجى واستمرتْ               في صراعٍ مضن مع الإعصار

فهي أخت الثلوج والأمطار                  وهي نبت العواء والتزآر

وهي تحيا كراهبٍ في قفارٍ                   دون ديرٍ يضمه أو دارٍ

ونقرأ وصفاً لحالة التينة المنفردة الوحيدة فهي ما سمعت ضجةً أو صوتاً من بشرٍ أو شيءٍ ما، فإنها تتلفت فلا تجد سوى الحجارة حولها.. نقرأ:

وإذا ما هفت لنجوى سميرٍ        رنّ في سمعها صدى الأدهارِ

حيثما تلتفتْ فليست تلاقي        من سميرٍ لها سوى الأحجارِ

ويستمر الشاعر النجفي في تصوير التينة بعدما يسبغ عليها صفات البشر فهي تسمع وترى ولكنها ثابتة في مكانها لا تتحرك.. فالبشر لا يأتون إلى هنا.. ولا الأحبة يستظلون بظلها والعصافير لا تعرفها ولا تأتي إليها .. نقرأ:

لم تظلل غصونها ندماء               لا ولم تُسق منهم بعقار

وهي لم تستمع لنجوى حبيبين           وما أعلناه من أسرار

لا ولا أمها هزار يغني                 فانتشى سمعها بشد والهزارِ

فالتينة لا تشكو.. ولا أحد يعرف ماذا يجول في رأسها سوى الشاعر الذي أدهشه منظرها .. أشعة الصيف الحارة تلهب رأسها وفي الشتاء تكون عارية من الأوراق.. وتتلقى البرد القارس.. هي شاهدة على أحداث كثيرة.. هي تقدم الثمر للناس دون مقابل .. يالها من تضحية.. نقرأ:

تصهر الشمس رأسها كلّ صيفٍ           وتلاقي في الشتا بجسمٍ عار

قد تلقتْ حوادث الدهر تترى                  دون أن تشتكي من الأقدارٍ

ما الذي ساقها لنفع البرايا                     دون ما دافعٍ ولا إجبار

هم ذووها إن أطعمتهم وإلاّ                   قطعوها ، فُعذبت بالنار

وهكذا يقدم الشاعر النجفي صورة ناطقة حسية حركية للشجرة التي في أعلى الجبل.. وحيدة.. حولها القفار.. ويتمنى في نهاية القصيدة لو كان الإنسان مثلها معطاءً صابراً صامداً يقدم الخير للناس دون مقابل.. لكن الشاعر أيضاً يقدم للناس الشعر المصفى.. وهذا شأنه.. ولكل شأنه فالطير يقدم للناس التغاريد .. ونقرأ خاتمة القصيدة:

/وأراني كالدوح شأناً ولكن         ماجنى دوحتي سوى الأشعارُ

ولكلٍ في الكون شأن به خصّ       وخصّ الغناء بالأطيارِ

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل