جهاز التحكم عن بعد

العدد: 
14835
التاريخ: 
الأربعاء, نيسان 5, 2017

 عندما أسافر – خاصة إذا كان
السفر طويلا أفضل الركوب في  مقعد قرب السائق  فالجلوس قرب السائق  يحقق لي متعة كبيرة .. إذ استقبل مع السائق  كل السيارات الآتية  على الطريق . والمشاهد الجديدة المدهشة أحيانا على جانبيه  وكنت أشارك السائق لا إراديا بقيادة السيارة وتوجيهها  فهنا «على مهلك» وهناك «زمر من فضلك» وهنالك «انتبه منعطف خطير على اليمين» وكان بعض السائقين  يتقبلون تلك الملاحظات أحيانا ويتذمرون أحياناً أخرى ويزعقون شاتمين بعض الأحيان لكن ذلك لم يقلل من شوقي أو متعتي في الجلوس إلى جوارهم مفجراً عيني فاتحاً أفواه كل جوارحي على آخرها مستقبلاً الآتي الجديد متفاعلاً معه تفاعلاً كاملاً.
وسألت نفسي :  أهذه حالتك وحدك أيها الفضولي أم أن هناك أمثالك؟ وبنظرة خاطفة مستقصية وجدت بين الركاب من نام لحظة جلوسه في مقعده أو بدأ بتقليب صفحات جريدة أو كتاب ووجدت بينهم أمثالي ووجدت أيضاً من هم بين بين  ثم سألت نفسي سؤالاً آخر أهذه حالتك في السفر أم في أمور أخرى؟
وبعد تفحص وتأمل في سلوكي وجدت نفسي كذلك في كل الأمور والأوقات – لا أدع الآتي الجديد يمر وأنا مغمض العينين متبلد الآحاسيس  بل استقبله بكل حواسي متفاعلا معه .. لذلك عندما يقودني المعاون  إلى مقعد في الوسط أو في الخلف لانشغال المقاعد الأمامية القريبة من السائق أتبرم بعض الشيء لكني أتقبله أخيرا كاشفاً ستائر نافذتي لأشاهد الآتي الجديد
لكن بعض السيارات الحديثة جاءت بمقاعد يتجه بعضها نحو الوراء ارفض الجلوس فيها  رفضا قاطعا حتى لو أدى ذلك إلى إلغاء سفري في تلك السيارة إذ تحرمني من استقبال الجديد الآتي وفرحة لقائه والتفاعل معه  وتحولني إلى مودع له ذاهبا ً بل فاراً مني إلى البعيد غارقا بحزن وداعه
ووجدت في هذه المقاعد  عدواً استراتيجياً لطبيعتي أو لتركيبتي  وفي مناقشة حامية  بيني وبين معاون أراد ان يجلسني رغماً عني  في إحدى تلك المقاعد  محاولاً اقناعي قائلاً :
إنك بالجلوس الى الوراء .. تتفادى رؤية كثير من المشاهد والمواقف الحرجة  التي تواجهها السيارات وراكبوها  خلال سفرها .. فلا تضرب ..أو تثور اعصابك  
فأجبته : لقد وجدت فينا  الحواس والمشاعر والأعصاب  والعواطف والعقول نستعملها متفاعلين مع الجديد الآتي  أكان جميلاً ام قبيحاً
حلواً أو مراً  مفرحاً ام محزناً
فأجاب مراوغاً متملصاً : ماذا ستفعل عندما يأتي اليوم الذي تكون فيه جميع مقاعد الركاب  متجهة نحو الخلف في سيارات مصدرة خصيصا ً للعالم الثالث
أجبته : عندئذ سأمتطي دراجتي الهوائية  أو حماري الأدخن فأنا ضد تعليب وتثليج الأحاسيس والأعصاب والعقول غمزني المعاون هامساً :
هناك من يحدق بك من تحت نظارته السوداء
فأجبته صارخا ً : لكن هناك كثيرين
يحدقون بي عبر نظاراتهم
الشفافة الصافية وبعد لحظة صامتة متأملة همس بأذني متأوهاً  يجب أن تعرف أيها الأخ أن تلك السيارات التي تتجه مقاعد ركابها فقط نحو الخلف. أفضل ألف مرة من السيارات التي تصدر  إلى العالم الرابع بالترغيب مرة وبالترهيب مراراً وجميع مقاعدها متجهة نحو الخلف بما فيه مقعد السائق وتسير بجهاز التحكم عن بعد
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عجاج عبد النور

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة