اقتصاد الجدات

العدد: 
14841
التاريخ: 
الخميس, نيسان 13, 2017

تعود بنا الذاكرة هذه الأيام  إلى ماضٍ تفصل بيننا وبينه سنوات طويلة  , تنفطر قلوبنا إليه شوقاً وحنيناً, لأنه كان مفعماً بالمشاعر المتدفقة كساقية ماء عذب لم تنقطع يوماً عن الجريان, نتنفس منه أريج تلك الأيام المحملة بفيض من خيرات الأرض التي تتكدس على أسطحة المنازل وفي «كوارات» البيوت حبوب ومؤونة كانت تعدها جداتنا بما أوتين من معرفة متوارثة استعداداً لأشهر الشتاء المفعمة بالمحبة  اللواتي يأكلن ما ادخرنه صيفاً,
ما ان أقبلت الحضارة المتمثلة بوصول الكهرباء إلى معظم قرانا والنائية منها، حتى بدأت تتلاشى تلك الصنعة لتغيب عن معظم البيوت تقريباً وليحل المعلّب وغيره مما يتم حفظه مثلجاً عوضاً عن البدائي مما عهدناه, واليوم لن نلقي باللائمة على انقطاع الكهرباء ساعات وأياماً طويلة في فقدان الكثيرين مؤونتهم المثلجة, وخسارتهم قيمتها الكبيرة نسبياً مقارنة بالغلاء الذي أصاب موادها الأساسية في الأسواق, فهذا أمر تحكمه ظروف الأزمة والتخريب المتعمد لشبكات الكهرباء ومحطات التوليد من قبل مجموعات مسلحة تهدف إلى تعطيل حركة الحياة في بلدنا.
لن نلقي بالمسؤولية على الأزمة وحدها ونجعلها سبباً لكل ذلك الارتفاع في أسعار الخضروات والفواكه التي كانت تجود بها هذه الأرض الطيبة, فهناك من يعمل على تهريب ما أمكنه إلى دول الجوار ما استطاع إلى ذلك سبيلا, وبأسعار تزيد كثيراً عما يتم بيعه في السوق الداخلية, ولأسباب تتعلق بفروقات العملة أيضا, وضعف في النفوس يحاول أصحابها الإثراء على حساب حاجة الآخرين.
إن كل تلك الأمور مجتمعة تضاف إليها مخاطر الطريق جعلت من مسألة تحضير المؤونة بشكل عام أمراً صعباً لعدم توافر الإمكانية المادية في ظل زحمة المناسبات وتواترها السريع على المواطنين ذوي الدخل المحدود, وآخرين يعيشون على تخوم خطوط الفقر وتحته بكثير, بعد أن فقدوا أعمالهم في القطاع الخاص, ومن دون أن تترك لهم الأزمة بارقة أمل في إيجاد فرصة أخرى يستطيعون من خلالها إيقاف زحف الفقر إلى بيوتهم
«بيت المونة » واقتصاد منزل الجدات  أصبح تراثاً من ذلك الزمن الجميل, لن يستطيع استحضاره من جديد إلا ميسورو الحال, وعدد ممن أسعفتهم ظروف الأزمة الاستفادة منها كبقرة تدر عليهم بما يرغبون .

 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
اسماعيل عبد الحي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة