ضبابية سوق العمل

العدد: 
14843
التاريخ: 
الخميس, نيسان 20, 2017

ليست المشكلة عندنا في ندرة العمل وانخفاض نسبته في القطاع العام إلى الحدود الدنيا مقارنة بما كان عليه في السنوات التي كانت تسبق الأزمة الحالية التي تشهدها بلدنا ولأسباب تتعلق بتضخم الجهاز الحكومي ومؤسساته التابعة (الإنتاجية والخدمية) وحينها فاق عدد العاملين فيه المليون ونصف المليون عامل،وهو رقم كبير نسبياً مقارنة بالدول المتطورة والنامية مع احتساب مجمل عدد السكان وإنما المشكلة تكمن في القوانين التي تحكم بين العامل وأصحاب العمل في القطاع الخاص التي يستطيع من خلالها الثاني فك عرى تشابكات الخدمة التي يقدمها الأول بسهولة وبأقل الخسائر، وهو ما أعطى الأفضلية لأصحاب المنشآت في كل شيء، متحكمين بالعقود وأشكالها والأجور ومستوياتها وإغلاق الرتاج على أبواب المنشآت أمام المفتشين بكل ما لديهم من صلاحيات، وليعيش العامل ظروف العمل وفقاً لمزاجية صاحب العمل فقط، وليحيط المنشأة ذات النفع العام بسرية شبه تامة حتى وإن كان إنتاجها يطول شريحة الصغار من الأطفال وهذا على سبيل المثال لا الحصر ، وليتحكم  في النهاية «الضمير الخاص بالذوق العام  » .
القطاع العام أصاب شريحة واسعة من المجتمع العاطل عن العمل بالخمول لرفضه أي فرصة عمل في القطاع الخاص لمعرفته المسبقة بأن قبوله العمل في ذلك القطاع سوف يستهلك الكثير من وقته مقابل الزهيد من الأجر ولعلمه بأن الخدمة الاجتماعية التي طالما كانت سمة القطاع العام لن تلبث أن تطفو على السطح في محاولة «مؤسسات ووزارات بعينها» التقليل من نسبة العاطلين عن العمل، ولمناداة آخرين بضرورة تشغيل أولئك العاطلين ولو كان الأمر على حساب الإنتاجية المتدنية، والخسائر المتلاحقة،وهذا ما رأيناه في عدد من شركات عامة في حمص خاسرة ومترهلة .
اليوم لايكمن تفضيل العام على الخاص لدى شريحة واسعة من الخريجين والعاطلين عن العمل في المناخ المريح والظروف المناسبة التي تميل كفتها باتجاه العامل في مؤسسات الدولة وإنما في مسألة التدرج الوظيفي، والميزات التي ترافق ذلك التدرج التي تشكل في مجملها طموحاً للبعض، وهو ما لا يمكن تحقيقه في القطاع الخاص الذي يقتصر العمل فيه على تقديم خدمة مقابل أجر مادي.
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مسؤولة عن الشعارات التي ترفعها، وخلافا لما كان سابقا يشكل نظامها الداخلي منطلقاً  لتأطير علاقات العمل وإيجاد الفرص للعاطلين من خلال مرصد تتلاقى فيه رغبات العاطلين مع شروط أصحاب المنشآت، وهذا ما لم يتحقق بعد ، فبقي المرصد هدفا وحلما في آن معا ،حيث يتم الاختيارفيه وفقاً للبيانات المدونة في المرصد الالكتروني،  ويبدوأن هذا المرصد سيبقى  مؤجلا إلى حين انتهاء الأزمة والحرب في عدد من المناطق والمحافظات، لأسباب تتعلق بخروج مئات من المؤسسات والشركات الأهلية والخاصة عن العمل، وتسريح مئات الآلاف من أعمالهم، حتى أولئك الذين يعملون في ورش صغيرة، وعليه فإن عبئاً ضخماً سوف يلقى على كاهل وزارة  تحاول المواءمة بين المجتمع وبطالة أبنائه وكل ذلك إبان انتهاء الأزمة، وعودة القطاع الخاص إلى العمل ثانية لتدور عجلة الحياة من جديد، ولتبدأ مرحلة تنظيم أخرى سوف تخلقها مشكلات جديدة، وظروف عمل لاتتلاءم مع أفكار انبعثت من قلب الأزمة ويراد بها إيهام الآخرين بأن «العمل» بكل مايحمله من هموم مازال تحت سيطرة المناخ الجديد الذي تصوره مجموعة الشعارات التي لن تجد موطئ قدم على الأرض، لتعذر الوصول إلى منشآت مازالت تعمل على الأرض ويرفض أصحابها فتح أبوابهم لأي عابر سبيل أو جهة حكومية وغيرها من الجهات التي تعمل لحسابها الخاص ،وأصبحوا يعملون بعقلية تجار الأزمة .
 من الصعب جداوقد يكون من المستحيل إيجاد فرص عمل لمئات آلاف المسرحين تعسفياً في القطاع الخاص، في وقت عجزت فيه مكاتب التشغيل عن إيجاد فرص لبضعة آلاف في سنوات الرخاء ووفرة العمل.
إن ضبابية مشهد سوق العمل سوف تظل سائدة، حتى وإن استمعنا إلى الكثير من التصريحات التي  يبني عليها أبناؤنا قصوراً من الأحلام  توهم بمستقبل يوفر للعامل كل وسائل الراحة في عمله ورغد العيش لعائلته، بعد ردم الهوة بين جهد العامل ودخله المادي، ومتطلبات عيشه المتنامية بفعل التنمية الوهمية، أو التضخم الذي زاد قيمة الأشياء وضاعف من هموم تأمينها.
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
اسماعيل عبد الحي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة