تحية الصباح...السوريون ولغة الطير

العدد: 
14843
التاريخ: 
الخميس, نيسان 20, 2017

من عادتنا أن نصغي بفرح غامر لانهمار المطر  وكأننا نراه لأول مره أما إذا سمعنا زقزقة عصفور  في غمرة انهمار المطر فهي سعادة الأرض بكاملها . الأغنية والماء جناحان نطير بهما في عالم المحبة. فنحن السوريين  بسطاء كالقبرات أميرات سهول الحنطة لأن لون ريشها بلون ترابنا الحبيب ، وديعون كالحمائم البرية عاشقة السطوح وهديلها يسمع من صدورنا الناعمة ، طيبون كطيور العندليب المشدودة بخيوط الغناء إلى الموسيقا . متواضعون كالشحارير التي تتمتع بقلوب هادئة وضمائر طاهرة ،نحن عائلة من طيور ولا نريد أن نتحول إلى وكر أفاع . شمس بلادنا أجمل من كل الشموس ومرأى أقمارنا تصبو كل عين لرؤيته ولذلك نحن نرفع رؤوسنا نحو الشمس  كما ترفع الزهور رؤوسها إلى النور ,
نحن السوريين نفهم لغة الطير التي تتحدث عن المحبة وعذوبة المحبة تتغلغل في أجسادنا كنسيم الليل ، ونصغي حابسي الأنفاس إلى أي حنجرة تغني  لأن من عاداتنا الجميلة الغناء. فنحن نموت بأغنية لفرط شفافيتنا ولكن لانموت برصاص الغدر وحقد الصدور التي سكنتها الشياطين وأوغرها الحقد
نحن نعيش كعائلة واحدة كعوائل السنونو التي  تتجمع فوق أسقف البيوت أوائل فصل الربيع لأننا نكره الطيور الجارحة التي تلطخ مناقيرها بالدم . فالشحارير السنونو  القبرات العصافير الحساسين الزرازير .. جميع هذه الطيور المغردة تحوم فوقنا وتسكب قلبها كله في زقزقات غزيرة علينا . لقد أنبأتنا أرضنا الغنية بأكثر أصواتها طهرا عن السلام والعشق النقي وتعلمنا كلماتها من العرائش وأحواض الورد العابقة في كل بيت وكل حديقة وشرفة .
نحن نتطلع بعيون شفافة إلى جمالية جبالنا و هضابنا  وسهولنا المترائية على مد البصر كي نرى القلوب التي تخفق  في الطبيعة الحية . فالطبيعة بالنسبة لنا هي أمنا التي تهز سرير قرانا  كي ننام مستسلمين لعشياتها الحالمة ذلك  أننا تربينا في أحضانها وعلقنا تصاويرنا على جدرانها كما تعلق أقفاص الحساسين ولم نجد فيما تتعاقب الفصول على أعمارنا أما كأمومتها .
إن قرانا مبنية على منحنيات الهضاب الصغيرة كالأعشاش تماما لتضمنا إلى صدرها بحنان لا يوصف ونحن نحب أن نقف فوق الهضاب كي نرى الغيوم من مستهلها البعيد فما أجمل مشاهدة الغيوم وتشكيلاتها المشهدية الرائعة .

نحن السوريين لا نؤمن إلا بالقوة الحقيقية للفكر والمعرفة وثقافتنا في أغانينا التي لحنت في أعياد الحصاد والقطاف  بعد أشهر المطر الخير , ومن حبنا للأرض لا نمشي على التراب المقدس إلا بإيقاع حي .
نحن القادرون دائما على الولادة في الأوقات الصعبة وإرادتنا المدربة كالجبل الواقف على شرفة الليل وتحته السهل يغط في النوم ، إرادتنا عالية .
ونحن لا نسمع الصرخة التي تتجاوب في أربعة أقطار الأرض حين تتألم أرضنا إلا لنحولها إلى أنشودة تغنيها الطفولة على طريق المدرسه . ولا نعرض كلماتنا التي أنهكتها الشيخوخة للرياح إلا لنجدد شباب الكلمات ونترك ما اسودّ منها لتذروه الريح  في الجرود الجافة لأننا نحب نظافة الكلمات .. فالكلمات النظيفة هي التي تمثلنا لا الكلمات ...
الإنسان السوري هو ابن الشمس الذي يعيش بنعومة أنفاس الصبيحة في جو من العفة والعشق والتناغم ويستطيع أن يفهم رمزية صوت الماء الذي يترقرق سكرانا بين القرى والسهول ويفهم ألم الريح التي تنقل التنهدات من شجرة إلى أخرى فأشجارنا مثل أمهاتنا تتنهد وتغني أغاني المهد حين يهدأ إيقاع العشية الناعم بين شبابيك البيوت .
. ومن عاداتنا أن نرسل تحياتنا لجيراننا مغمورة بسنابل القمح لأن القمح رمز أخوتنا الفلاحية وعلى جناح الريح نرسل تمنياتنا الطيبة لجيراننا كل مساء ونسمع تأوهاتهم عبر الحفيف إذا تألموا لأن الريح هي ساعية بريدنا .
ودائما وفي كل صباح سنغسل عيوننا بأشعة الشمس  الذهبية لأن للشمس قدرة على تطهير البصر والبصيرة .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
طالب همّاش

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة