تحية الصباح...قلوب تعانقُ الشمس!

العدد: 
14857
التاريخ: 
الثلاثاء, أيار 16, 2017

في ألِفِ الكلام ومَطالِعه:
من الصّعب على أيٍّ من الكائنات البشرية -  أنّى وُجِد - أنْ يقوم بتدريب قلبه على “موضوعة الحنين”، إذا لم يحمل في شِغافِه النّابض وطناً دونما تقسيم أو تجاهل أو تدمير! إذا لم يحمل بيتاً أو سفحاً أو بحراً، أو صراخ طفلٍ بائس وَجِيع، أو ألَم أمٍّ ثكلى، أو قهْر أبٍ مفجوع، أو أيّاً من ينابيع الأرض المِعطاء! نعم من الصّعب “تلقين الحنين”، كما يلقّنُ معلّمٌ نابغةٌ تلاميذَه درساً محوريّاً في النظافة واللياقة والآداب العامّة وحبّ الوطن والآخَر! ذلك أنّ الحنين أقرب ما يكون إلى طبيعة حليب الأمّ، يعرفه الطفل بالغريزة، يكتسبه بالفِطرة، يستدلُّ عليه بالرّائحة فوق الأنفيّة! هكذا يشمُّ الغريب وطنَه عنْ بُعْدٍ بعيد، فهو يسكنه تماماً، يتلبّسه تماماً، لذا فهو يتذكّرُ كلّ الطرقات والأسواق والأشواق، يعرف بيته، ومدرسته، ومطارح طفولته، وألوان ذكرياته، ووجوه مُحبّيه، بحاسّةٍ ليست من بين عنوانات الحواسّ المعروفة، ربّما يصحّ أنْ نطلق عليها: “حاسّة الطفولة”، أو “حاسّة الطفل”، أو “حاسّة النّقاء”، أو “حاسّة الشّغَف”! وهذه لا تخطىء أبداً، مثلما لا يخطىء الأطفال طَعْمَ حليب أمّهاتهم، وهُم في براءةٍ مَعْرِفيّة، هي بالغالب الأعمّ أكثرُ عُمقاً من حِكَمِ الفلاسفة، ونظريات المنظّرين! الصّحارى، القرَى، المدن، السّفوح، الينابيع، الظلال، الجدرانُ المُتأبّية على القصف والهدم، البيوت المُضمّخة برائحة الياسمين، الواقفة تحت عين الشمس “رائعة النّهار”، بِلهبِها وعنفوانها، الإراداتُ الفولاذيّة لحماية الأرض والعِرض، كلّ هذا وسواه، ما هو بالمبتدأ والخبر، سوى الوطن الجميل، للطفل الذي كان عالمُهُ هذا الوطن ليس غير، بِلحمِه ونخوته، وعنفوانه وأفيائه، بشموخه القويّ، ضدّ مَنْ نصبُوا له المكائد والهزّات والعُبُوات، بمختلف مُسمّياتها وضراوتها والسّفالات! هذا الوطن الجميل، قد عاثَ فيه الإرهابُ وشذّاذُ الآفاق تقتيلاً وتمثيلاً، وتهديماً وتهجيراً، هي كلّها مَآسٍ فوق الوصف، فوق مواجِع القلوب، فوق آلام العقول! حدود الأرض تنتهي عند مشارف هذه المنازل، وهي أيضاً بالبدء والمنتهى: “المنازلُ التي لها في القلوبِ منازلُ”! أمّا آخِرُ الأرض، أمّا نهايتُها، فلا شأن لنا بهما، طالما أنّ بيت العائلة، ووطنها الصغير، لا يزالان بخير، ولا يزالان مُتجذّرين في العقل والذاكرة، في العين والقلب على حدّ سواء! وكما كلّ الكائنات، بهذا العالَم المُتراحِب، فإنّ البيوت والقلاع والأشجار والأنهار بوطننا الجميل، تستحمّ بماء الصّباحات الورديّة، الهادئة الهانئة، تتعمّدُ أيضاً بذاك الضّحى البطيء، الذي يدرجُ على أديمِ الأرض، كما يدرجُ عصفورُ الدّوري بأرضٍ ليّنةٍ مُعْشَوْشِبة! لا بل تضحك الشوارع والساحات، والحقول والنفوس بسرّ النّجاحات، كما تضحك النوافذ والشّرفات، والجدران والعيون بذلك!!
 هذا الضحك الدّافق المُزرْكش، لا يدرك كُنْهَه وسرّه العميق، سوى الأشخاص الأماجد، أولئك الأبطال، الذين شيّدوا أماكنهم وبيوتهم ومواقفهم، وغرَسوا شجرهم الصغير بالعَرَق الأصفى من النّدى، والجهد المقدّر الأجمل من صباحٍ ربيعيّ بربوع الوطن، بل شيّدوا كلّ شيء، بتلك الرّوح العِصاميّة، وماء الرّجولة الحقّة، وصدق الأعمال والمواقف، بأزمنةٍ غابرةٍ أو حاضرة لا فرْق، هي أشدُّ قسوة من صخرٍ فولاذيّ أصمّ، ومع كلّ هذا وذاك فقد نجَحُوا، وأبدعوا!! السّؤال الآن بتجرّدٍ وَحَيَدَة مُفادُه: “هل نحن اليوم مبدعون”، كما ينبغي!
                                          *   *   *
الوطن لنا – نحن السّوريين بعامّةً   –   فكيف دهمَتْهُ، على حين غفلةٍ منّا جميعاً، هذه القطعان الضالّة، هذه “التّسوناميّات” المُدمّرة؟ من أين غَزَاهُ هذا الجراد الأصفر اللئيم؟ لماذا انثالَتْ كميّة هذا التكالُبُ الوحشيّ المَحمُوم، ضدّ بلدٍ مُسالِمٍ يؤمنُ – حسب قوانينه وأبجديته -  بالسّلم العالمي، والسّلام المُشرّف بآنٍ؟
“سوريانا” الله حاميها!
“وطن بأعيننا والحنايا”
“وطن بدمنا والأرْواح”
“ وطن تضمُّه أشغِفةُ القلوبِ الحَانِيات”
“وطن خُلِقَ لكلِّ الانتصارات، ووجوه التحدّيات” ..
وطن اسمُه “سورية” تحرُسه “العيون السّاهرة”، والقلوب النّابضة بضفائر المحبّة، وعنفوان الاعتزاز!! من أجل عينيه العسليّتين الجميلتين، تغنّي كلّ العيون المُتعطّشة للسلام والخلاص، بعدما طالَ علينا جميعاً ليلُ الإجرام البَهيم.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
وجيه حسن

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة