حين تزهر الأحداق الخريفية

العدد: 
14858
التاريخ: 
الأربعاء, أيار 17, 2017

لم أصدق حتى هذه اللحظة أنني طرقت باب عرافة أو قارئة فنجان لم يكن من عادات عقلي تصديق هكذا ترهات لكنني أردت الحصول على خيط أمل بعد كل الألم الذي استوطنني في الآونة الأخيرة
حين وطئت قدماي باب منزلها في ذاك الحي الفقير الأشبه بامرأة ستينية متبرجة لتخفي تجاعيد سنينها ارتجف خافقي و قرصتني برودة في كل مفاصلي لا أعرف لماذا !! لكن ربما يكون بسبب عدم قناعتي بهؤلاء لكن ما إن خطوت خطوتي الثانية حتى عرفت سر ارتجافي و برودة أطرافي
غرفة صغيرة مربعة الأبعاد لا يتعدى طول ضلعها الثلاثة أمتار و سجادة صغيرة مزركشة بكل ما في الدنيا من ألوان لكأنها السجادة العجيبة ! فقد صنعت من بعض القمصان ، الفساتين ،و الكنزات و القبعات القديمة و خيطت بجانب بعضها لتشكل هذه السجادة و التي إن دلت على شيء فلن تدل إلا على فقر يسلب الألباب
في زاوية الغرفة سرير حديدي ضيق مغطى بغطاء أخضر أكل نصفه الصدأ و تم ترقيعه بلون عسلي من جهة مهترئة أخرى
الغرفة مظلمة لا ينيرها سوى شعاع الشمس الخافت و بعض جمرات الفحم المتوهجة في المنقل الذي ناب عن مدفأة في هذا البرد الكانوني الذي يشق المسمار
أريكة قديمة و طاولة مستديرة بثلاث قوائم لم تتناظر أطوالها قط
أما منى « قارئة الفنجان « فهي قصة أخرى و كأنني أرى أحدب نوتردام أمامي من جديد .. كان يكفي استقبالها لي بحفاوة لأعرف أنها كريمة بقدر فقرها و كان يكفي تنهيدة واحدة مني لتطيح  بذلك الحمل الثقيل على كاهلي لتعرف أنني يائسة
نسيت نفسي و لم أتيت حين رأيتها و رأيت غرفتها الحزينة من يرى مصيبة غيره يعرف أن لا مصيبة عنده !!
ما اسمك ؟ سألتني بلطف
اسمي هيلدا
آ! اسمك جميل و يعني المرأة الحامية التي تحمي و تساعد غيرها .. و لكن للأسف حظك قليل و  أيامك رمادية هي تتكلم و أنا صامتة و مذهولة أمام ما اسمع من تلك المرأة البسيطة
من أين أتيت ؟
أجبتها : لن أقول لك ، أنت من ستكتشف من أين أتيت
تفرستني ببراعة و قالت لي  : لقد ارتاح قلبي لك مذ رأيتك
بعد أن احتسيت قهوتي و أمسكت بفنجاني المقلوب ، قالت لي : إحساسي كان صادقا و هاهو فنجانك يؤكد ذلك سأتلو عليك يا صغيرتي سيرة حياتي فأنت من انتظر طوال هذه السنين لأبوح لها بهمي و حزني
أتيت إلى هذه الدنيا لأجد نفسي يتيمة الأبوين مع أخ جاحد و أخت قد أنهكها مرض السرطان و أنا كما ترين لا حاجة لأحكي لك فمظهري  و غرفتي يخبرانك الكثير
صباح حياتي كان حزيناً ماتت أمي و هي تلدني .. و نهار عمري حالكا و ليله .. آه من ليله .. لقد طال ظلامه
لم أدخل مدارس لكنني أردت أن أتعلم القراءة و الكتابة علني أستطيع أن أجد عملا لأعيل نفسي و أختي المريضة
منذ عشرين عام طلبت من جارة لي .. كانت معلمة أن تعلمني القراءة و الكتابة و طبعا وافقت مقابل أن أقوم بكل أعمال منزلها و أنا وافقت على شرطها و بدون تفكير رغم مرضي بالتهاب المفاصل و داء السكري الذي ورثته عن أبي .. جل ما  كنت أريده هو التعلم عله يقيني برد الزمن أول كتاب اشتريته بعد تعلمي القراءة كان « تعليم قراءة الفنجان « و من خلاله تعلمت قراءة الفنجان و أصبحت هي مهنتي مقابل الحصول على القليل من المال و مع الوقت أصبحت معروفة في حينا و في الأحياء المجاورة و تتالت السنون حتى أصبح يقصدني من هم في خارج المدينة و من كل الأطياف رجالا و نساء شبابا و مراهقين أغنياء و فقراء لكنني كنت أصرف معظم النقود على مرضي ومرض أختي
كتبت و ما زلت أكتب مذكراتي ، أيام ، أسابيع ، شهور و سنين مرت... جهد كبير أنفقته سدى على تلك الكتابات غير المرتبة إن كان بالخط أو باللغة
أوراق مذكراتي أصبحت عفنة ، فقد أضحت الآن ثقلاً ينام في جوارير عتيقة خبأتها فيها ، في ذلك الركن المنسي إلا من وجع ذاكرتي !!
آه يا صغيرتي ! كم من أوراق مكدسة لم توفر لكاتبها حياة كريمة كالتي وفرته النقود لمرتش أو...
أشعر الآن أن كنزاً سيخرج إلى النور لأنني التقيت بك .. سأقول لك و للمرة الثانية من أين جاءتني هذه الثقة بك ... أتتني من تقاسيم وجهك الصادقة و من فنجانك الذي اخبرني الكثير عنك هو كمفتاح فتح قلبي لك لربيع قادم بعد أن كان خريفاً لأزمنة
لك القلم و مني الحرف ..
أعدك يا منى بصياغة مذكراتك التي تنبض بكل تفاصيل حياتك و بالقصص التي كنت بطلتها و هذه أول قصة « حين تزهر الأحداق الخريفية .. »
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
هيلدا مخلوف

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة