أشباه الرجال

العدد: 
14858
التاريخ: 
الأربعاء, أيار 17, 2017

وجوه غير صباحية .. زحام و ازدحام و ضجيج القطار يعلو... و أنا .. أجلس بصمت أشاهد قطرات المطر على نافذتي ..تعبرني  ذكرى رحيله في يوم ماطر كهذا ،في ذلك اليوم كان وداعنا آمالاً و ابتسامات .. وقفت بجانبه و كدت أصرخ لا ترحل و كدت أجهش بالبكاء ، لكن هاجسي الشرقي منعني فلا يمكن لأنثى تربت عند أقدام قاسيون أن تقبل الهون في أي حال لذلك امتنعت عن استبقائه و امتنعت عن نسيانه مخافة من الهون الذي سيضعني فيه المجتمع الشرقي في الحالتين فلم استطع التنازل له و التوسل له فأصبح دونه بحكم الشرقية و حكم رجولته و لم استطع أن أتخلى عنه و أفارقه و أصبح دونه بحكم الهجر و البعاد ... ربما لهذا لم أستطع أن أحبه تماما كما لم استطع نسيانه تماما فنتج عن نصف الحب و نصف النسيان مزيجا من ألوان الشوق وضعتني على حافة المستحيل .... أهمس بصوت خافت ، على حافة العقل و الجنون فيه ، .. فيرد صوت من خلفه : ذلك الحد الذي تلغيه العتمة و الفاصل بين الممكن و المستحيل
فأدهش و أقول : هل تعرف ذاكرة الجسد .
يرد بجواب مزدوج : اعرف الثلاثية الشهيرة
أقول : أكره الثلاثيات فلم يخلقنا الله أزواجاً من عبث.
 يرد إن الثلاثيات تخلق مساحة من المستحيل بين كل شخص و آخر مساحة تصلح لأكثر من ألم تتسع لأكثر من ألم فقصص الحب الثلاثية تتعدى البساطة الموجودة في تلك الثنائية.. باختصار الثلاثيات تصنع التميز و الإبداع
أقول : إن الألم يصنع التميز لا الثلاثيات .. أواصل بعد شيء من الصمت إن لمدننا الشرقية ثالوثها المحرم .. ضيعنا الإبداع
 يرد ... لقد وضع الثالوث المحرم حتى لا نضيع أنفسنا بما يصنعه من آلام و إذ بنا نضيع أنفسنا بالبحث من ذرائع لانتهاك  حرمته ففشلنا فشلاً مؤلماً حد البكاء
أقول: إن البكاء يولد الإبداع فالإنسان عندما يصل بالألم إلى أقصاه في ذلك الحد سيجد في لا نهاية الحزن لا حزن ... عندها فقط  سيقدر على الخلق، سيبدع و يخلق عقليته من جديد أو يصنع أدباً أو فنا أو حتى يخلق سعادة
يجيب السعادة لا تأتي بالألم فكما قيل السعادة فعل مقاومة حتى تسعدي عليك التمرن رقصا على منصة السعادة
 أسأل هل أنت شرقي ؟!
يجيب :أحيانا
أرد :و أحيانا أخرى ؟!
يقول :متشرد عاطفي يواصل بعد قليل من الصمت .. لقد خلعت عباءة الشرقية ... أفضل اللاشيء على شيء يحمل نقيضه في كل شيء ....
 و على وقع آخر كلماته راودني حلم شبح قادم من بعيد و إذ به أنثى متلحفة بالسواد .. تخلع سوادها و ترقص طفلة على أنغام قلبها و إذ بالأنغام تولد عصافير تحمل هذه الطفلة و تطير بها نحو الأفق .. فجأة يشتد المطر و يولد ارتطام حباته بالنافذة صوتاً أيقظني من حلمي فالتفت خلفي عساني أجد رجلاً تخلى عن الشرقية تماما كما تخلى عني آخر و رحل غرباً ذات يوم و إذ بي لا أجد أحداً فأشعر بانكسار روحي و أبقى وحيدة أشاهد حبات المطر منتظرة أن يحط بي قطار العمر في المحطة الأخيرة .. و تتعالى قطرات المطر و كأنها  تدلي اعتذاراً عن رجال ما جاؤوا إلا ليرحلوا .. كنت أريد أن أقول شيئاً لكن صوتي يخذلني .. و أختنق بدموعي
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نور علام

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة