تحت ظلال ياسمين الروح

العدد: 
14880
التاريخ: 
الأحد, حزيران 18, 2017

وما يكاد الفجر ينطلق من أفق إلى أفق إلّا وأرى له بريقا قد أسفر عن نبع كالثغر الحلو يتنفّس فوق قلبي ،ويرسل ابتسامات تصلني كأنّها الورود تلاعب فراشات الحقول , فيحصل هذا التوّحد وتنبعث في ذاتي قوة لم أدرك كنهها إلا بعد أن اختلط الأسود بالأبيض , وشقّ الخريف دربه بين الضلوع ,فناء الجسد بما حمل لكنّه أيقظ ومضات في ربيع الذاكرة لا يستطيع أيّ خريف قادم أن يٌخمد وهجه أو يٌميت ثمره ,فعوامل الحتّ على الجسد أشدّ منها صلابة على تراث الذاكرة التي هي كتاب من درّ مكنون في متحف الحياة .
وأراني ذلك الطفل القادم الباحث عن كنه الحياة ومدى فعلها في الروح ،ثمّ أراني والفجر توأمين ما إن يستيقظ الأول إلا وتنبعث الحياة في الوليد الآخر فيختلج قلبانا  وتتحررّ جوارحنا وننطلق مع بداية أنفاس الصباح النديّة في رحلة عمرها من عمر يوم خلق الله الأرض ومن عليها  .
 وأغوص في أعماق النفس التي لا تسمو إلا بنوع من الحبّ يشتعل .
 فأنت بينهما أسير من حبّ نفسك في حبيب تهواه,  إلى حبّ الإنسانيّة في صديق تفديه ,إلى حبّ الفضائل في شخص توسمته ملاكا , ثم إلى حبّ الله في بديع خلقه .
 وويح قلبي ممّن يحاولون ارتقاء سلم الحبّ وقد ظنوا أنّ الناس أرقاما تسجل على شريط ذاكرتهم, ما يلبثوا أن يبادروا لإزالتها واستبدالها بأرقام جديدة بعد أن يرووا عطشهم من سماع همس القلوب الطاهرة فتعاف  نفوسهم المريضة ما لجّوا في البحث عنه  زمنا طويلا , وكأن الحبّ يتعامل بنفس العاطفة المادية الرخيصة من خلال حفلة إبادة جماعية لكل المشاعر والقيّم ولعلّني وقد شطّ بيّ الخيال أكثر مما أردت قوله فعذرا .
وإنّما البوح هنا لمن يملكون قلوبا طيبة كقلوبكم آلمني أن أدوّنها ثم لا أضعها ككأس راح فاضت به  روحي عسى تلك الكأس تمتزج برحيق أرواحكم التي تسمو ما فوق النظر إلى اللا مستقر .
 وتبدأ الرحلة في التحليق مع انسياب صوت والدي الذي يرتفع دائما وهو يتلو سورة يس بصوته الشجي الرخيم مغفلا كل أحكام النون الساكنة والتنوين والقلقلة وأحكام المد والقصر ومخارج الحروف ,  فأتفكر بما أسمع وأهيم وأخشع ، ثم يأخذني جمال الصوت ويغادرني الجسد , وأبقى روحا هائمة في عملية بحث عنها ,  وتمطرني الخواطر والأفكار ولا أجد بّدا من محاولة العوم وتقليد من يغوص في تلك اللّذة التي لا تدانيها لذّة , فأذهب لوضوئي الذي يغسلني من أعماقي قبل أن ألقى وجه الله في الوقوف برحابه وبين يدي رحمته ,وآوي بعد ذلك إلى أيكة والدايّ التّي أظلتني ثمانية عشر عاما من عمري قبل أن تستسلم لنوائب الدهر ,وقد لحقها اصفرار مفاجئ بعد أن أتى أمر الله بأمي أولا وانتقلت للرفيق الأعلى  سرعان ما تبعها أبي في سفرة أبديّة دون محطة انتظار أو وداع يتبعه أمل بعودة قريبة .
وكنت أرى أمي التي اتّخذت لها ركنا قصيّا تؤدي صلواتها ثم تتلو أذكارها همسا فيطيب لي المقام في ظلها والتمتع في فيئها ,وأرنو إليها فتغمرني بهالة من نور تنبعث شلالا من وجهها البدر, وأكاد أجزم أنّها كأنّما أخذت من السماء ووضعت في الأرض على أنّ هذا الزمن قد محا في قلبي وأثبت فلا تزال تنشقّ لها زفرة في صدري كلما عرضت ذكراها فيفيض دمعي هتونا وكأنني عدت لتوي من مراسم دفنها .
ولا يزال هذا حالي منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما , لكنّها أشرقت داخلي قلبا يعمره ويغمره نور من برّها وبركة من رضاها وكثيرا ما كنت أفعل مثل فعلها فأجلس في  مكانها وأغمض عينيّ وأسرح في رحلة تفكريّة ثمّ أقرأ ما كنت أسمعه منها وحفظته عن ظهر عقل .
ولا يكاد يمضي بعض الوقت كي أقوم إلى أقرب مرآة وأتأمّل ملامح وجهي,وكم من مرّة خاب رجائي حين لم أكن أجد فيه مثل هذا التدفق من إشعاعات النور فيتملكني الحزن , وينكسر الرجاء ليصير خيبة إلى أن أدركت أن سرّ ذلك مرهون بما تحمله في قلبك ومن تسكنه .
 ولقد أدركت عن فطرة أنّ الله هو من سكن قلبها ففاض نوره على قلبها ووجهها , وأنك حين ترجوه العودة فعليك بصيانة قلبك وتنظيفه وتلميعه وعدم إشغاله بالغير مرة أخرى ،ولقد عملت على هذا كثيرا وما زلت أنظر في المرآة، مرآة الزجاج ومرآة النفس فإن رأيت أن الوهج غادره يصلني إحساس بأنني انشغلت عنه بسواه فأعيد صيانة قلبي بمجاهدة الأهواء والشهوات، وكان من تجليّات هذا أيضا أنني ما تذوقت طعاما قط أطيب من طعام أمي ولا طاب لي شرابا أطيب من الذي تصنعه أمي ,  وما أقوله لا يندرج تحت باب المفاخرة بما تصنعه الأمهات لأولادها ولكنّني أمضيت سنّي حياتي قريبا منها ما صنعت طعاما إلا وكان معجونا بذكر الله يجري في أنفاسها وفي الهواء حولها .
 وهل من آية أقرب للقلب وأبهى للروح وأنقى للجسد من قوله فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهكذا سرى نور الإيمان في قلوبنا وتكاثر في عروقنا ما خرج من إخوتي الخمسة وشقيقتاي شقيّا ولا محروما  ، إنه الإيمان الذي انسكب مع ركعات في جوف الليالي وأذكار الصباح مشى في الروح فجملها وجعلها آية للناظرين  وذكرى للمتأملين .
ومن ألطاف هذا الإيمان أنني أحببت وحلقّت مع هذا الحبّ أحببت المال والولد , والمرأة وما ولدت , لكنني أحببت الله أكثر.
أحببت السماء والنجوم والقمر  والشمس والسفح والجبل أحببت النهار والليل والنهر والبحر,  لكنني عشقت الله أكثر ،حلقت مع الحمام وغردت مع البلابل ومتعت ناظري وقلبي بالورود والشجر , ورسمت الطبيعة بسحر القلم وكل هذا أعانني أن أعشق الصانع وما أبدع وأغوص في التفكر أكثر .فإذ بي في بحر كّل لجّة فيه تحتاج إلى عمر من التفكر ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار.
 وتعود روحي لجسدي  تعود إلى أول تكوين لها , وتأخذنا الأيام وتلفنا في دربها .
 صغارا أتينا  كبارا غادرنا  على دروبها مشينا نحاول أن نزرع وردة يبقى أثيرها بعد رحيلنا إلى مستقّرنا الأخير وقد بلغنا الرسالة وأدينا الأمانة دام عمركم عامرا بالإيمان بالحب الراقي المراتب  ودمتم ببهاء ونور تام من الله الجليل الجميل .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
جمال حالو

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة