تحية الصباح...سَفْرَة­

العدد: 
14881
التاريخ: 
الاثنين, حزيران 19, 2017

كثيرة هي النّصائح التي وردتْ في تُراثنا، وفي أعرافنا، من أنّ الماء الذي لايجري يتأسّن، وأنا، بحمد الله، رغم هذه العُزلة التي ارتضيتُها لنفسي منذ ستّ سنوات وتزيد، فإنّي، كما أرى نفسي لم أتأسّن، لأنّني ظللتُ أجري من كتاب إلى كتاب، ومن زاوية إلى مقالة، وهذا جرَيان من نوع آخر، وإنْ كان ظاهره أنّه في المكان، إلاّ أنّ حقيقته أنّه سفَر من نوع آخر، في بطون الكتب، وفي آفاق الآراء، وفي تعدّد القراءات،
بإلحاح من إبني البكْر، ومن زوجته وابنه، قرّرتُ السّفر إلى طرطوس، والطبيعة في هذه الأيّام تتزيّن بالكثير من فتنتها، فتُغري النّفس بالمُطالعة، وتفقّد الأشياء التي لاتخطر لكثيرين على بال،
الصدّيق والقريب نضال حسن اقترح عليّ أنْ يأخذني باكراً إلى أماكن خارج طرطوس باتّجاه تلك الجبال، ربّما تأخّرنا ربع ساعة عن الموعد المضروب، وفيها خسرْنا الدّخول في الضباب الذي كان حريصاً على أن نراه، ونعايشه،
بدتْ الشمس حين ارتفعْنا إلى رابية مشرقة كأبهى مايكون الإفتتاح، ياإلهي!! منذ زمن طويل لم أشاهد شروق الشمس، نحن إجمالاً في المُدن مانكاد نرى الشمس إلاّ قرب الظّهيرة، هذا لمَن يتفطّن إليها، أمّا الغالبيّة فلا يشعرون لابشروقها ولا بغروبها، فهم الذين يُشرقون ويغربون، دون شعور بأيّ انتقال حقيقيّ،
لقد أحسن الظنّ بي صاحبُ الدّعوة، وهبط بنا إلى وديان سحيقة، حيث ترتفع جدران الصخور البازلتيّة عموديّاً في الجهة المقابلة، رائحة أوراق الغابة، وألوانها، وأنواع الأشجار عُرْس من اليخضور، وأنا أتّكىء على إبني عقيل، فقد نسيّ نضال أنّني تجاوزتُ الثمانين بسنتين، فهو ينظر إليّ، ربّما من خلال كتابتي، والكتابة لاتشيخ لدى شاعر مادام بوعيه، ربّما فاجأه هذا الوهَن في الجسد، وتلك الحيويّة في الرّوح، هبطَ بنا وصعد، وتحمّلتُ على ضعف، فقد كان سروري بذلك العرس في الطبيعة أكبر من السّنوات التي أحملها على كاهلي، وديان،.. أنهار صغيرة،.. شلاّلات،.. فتنة المكان كلّها تنطق بلغة لايفهمها إلاّ الذين خُصّوا بقراءات مابين الورقة والورقة، وما بين الظلّ ودلوف الشمس، صحيح أنّ النّزهة لم تخلُ من تعب جسديّ، ولكنّ نشاط الرّوح كان أعلى فما ظننتُ أنّني قطعتُ هذه المسافات إلاّ بعد أن جلسنا في أحد المقاهي لتناول القهوة، ثمّة، في الرّوح عبَق الغابة، وأُنس الظّلال، وشموخ القمم، وتاريخ هذه الأرض العريقة،
حين تذهب إلى طرطوس لابدّ لك أنْ تنتبه إلى أنّك تسمع فيها جميع لهجات سوريّة من الشمال الشرقي، إلى اللهجة الحلبيّة، إلى لهجة أهالي حمص المًميّزة، إنّها الحاضنة التي جاءها النّاجون بأنفسهم من جرائم داعش ومشتقّاتها،
سلاماً لكلّ مَن في طرطوس...

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الكريم الناعم

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة