ماتت أشجارهم قبل أن تغرس

العدد: 
14890
التاريخ: 
الأحد, تموز 9, 2017

حملني واجبي كموظف إحصاء لعدد السكان إلى قرية بعيدة، تأبطت محفظة أوراقي وسافرت إلى هناك مع زميل لي.
وصلنا القرية و ترجلنا من الحافلة، انطلقنا سائرين على أقدامنا عبر طرق القرية تحت وهج شمس الصيف اللاهبة،من بيت إلى بيت ومن زقاق إلى آخر .
يا له من يوم! يتماوج الهواء مع وهج الظهيرة فيحترق التراب، الشمس اللافحة كانت مجحفة بحقنا إذ أحرقت أجسادنا بلا رحمة.قيظ الحر قد أصابنا بالصداع والعطش و التعب،و لم تعد أقدامنا قادرة على حملنا، تمنينا لو عرض علينا أحد سكان هذه القرية شربة ماء.
يبدو كأنهم قد شربوا الشح مع مياه قريتهم، فقد سمعت أن أهالي هذه القرية مشهورين بالبخل، لكنني لم أتصور أن يكون الأمر لهذه الدرجة ! فكلما طلبنا كأس ماء من أحدهم ، بعد أن نسجل بعض المعلومات التي تخص عملنا، اعتذر بشدة لعدم توفر الماء بحجة أن المياه مقطوعة.
شعرنا و كأننا في صحراء، لدرجة تمنينا لو يدعونا شهم ما لمنزله لكي نحصل على قليل من الراحة مع كأس ماء.. وحدها حرارة الشمس كانت سخية معنا !!
لم يكن ينقصني إلا أن أصرخ و أنادي نداء استغاثة يشق عنان السماء.. النجدة.. النجدة.. أكاد أموت عطشا و تعبا.
يا إلهى! القرية في سكون تام خانق، لا دكان مفتوح و لا نبع ماء! و حتى خوار البقر قد توقف!  ما هذه القرية؟! حتى المعلومات التي كنا نريدها كانوا يختصرونها.. ربما اعتقدوا أنهم سيدفعون عليها ضريبة ما !
لم ندر أنى نتجه و إلام ننتهي في سيرنا من شدة التعب.
تمنيت لو أجد شجرة كبيرة وارفة الظلال أتفيأ تحتها..
يبدو أن أهالي هذه القرية لا يحبون الأشجار و لا يغرسونها بسبب شحهم..فهم سيخسرون عليها ماء...
رباه ! ما هذا ؟ هذه قرية ميتة ..لا روح فيها . قرية لا تتشح بالأخضر هي قرية منفية لا محالة .
مسحت المزيد من العرق عن جبيني و رأيت ظلي يلاحقني مستهزئا بي . مشيت و مشيت و في كل خطوة كنت أحلم بأن يسكب علي أحدهم برميل ماء بارد، ثم أنام في وسط الطريق ، في قيلولة طويلة..
لقد سرنا كل هذه المسافات تحت الشمس الحارقة لنقوم بواجبنا ، ألا يوجد كريم يشفق علينا و يقدم لنا شربة ماء ؟ كرمى لشح أهالي هذه القرية سأقدم استقالتي فور  انتهاء مهمتي هنا.. و سعادتي الآن أن أبلل شفتاي بقليل من الماء، حتى لو كان ماء مستنقع طحالب.
بعد ساعات من السير و العمل المتواصل، وصلنا إلى أبعد بيت في القرية بشق النفس ، لم تعد تحملنا أقدامنا ، و شعرنا بعبء ثقيل ، طرقنا الباب من أجل بعض المعلومات ، ففتح لنا رجل، كان سمينا طويل القامة ، ذا شعر أشعث و لحية طويلة كالحة السواد ، و حاجبين كثين خشنين فاحمين ، يعلوان عينيه الصغيرتين الغائرتين.
كان ذاك الرجل دائم السعال ، و حين رآني رحب بي أوسع ترحيب و سألني على الفور : ألست فلان ؟
أجبته و السعادة تغمر قلبي : نعم ، أنا فلان ! و ناجيت نفسي قائلا : ها قد جاء الفرج ، يبدو أنه يعرفني حق المعرفة ، و يبدو أننا قد ظلمنا أهالي هذه القرية ، ها هو أحد الكرماء الأجاويد أمامي ، فشكرا لك يا رب و سامحني على ظلمي لهم .
هلل بي صاحب المنزل و فرح ، و أنا نسيت أن قسماته التي تنم عن الخشونة و الفظاظة تثير الذعر و الخوف، و فرحت بأنه قد تعرف إلي .
دعانا إلى الداخل و أصر على تقديم القهوة لنا، و كم كنا بحاجة إلى هكذا دعوة، للجلوس و الراحة. قدمت لنا زوجته القهوة، كانت هيئتها يائسة، شاحبة الوجه، منفوشة الشعر، وكانت ترتجف كقصبة في مهب الريح، لماذا؟ لا أعلم!..و قبل احتسائي لأول رشفة، و من سؤال و جواب يليه آخر و جواب، مني ومن صاحب المنزل ، فهمت أنني لست الشخص المعني، فقد كان مجرد تشابه بالهيئة و الاسم. عرفت أن الرجل لم ير المقصود منذ عشرة عقود ، و لهذا التبس عليه الأمر فتراءى له أنني هو. فما كان مني إلا أن قلت له الحقيقة و أن هناك سوء فهم ، و أردفت قائلا: هذا يعني أن هذه القهوة ليست لي، إنها للآخر، و لهذا لن أرتشفها...طبعا كنت أقول هذا من باب الدعابة فقط .
لكن..لكن..لكن صاحب المنزل الفظ البخيل أجابني بعينين حمراوين، و جبين يتصبب عرقا من هول الصدمة، و قد انكمش كبزاقة حقل من الخس قائلا: كما تريد: لا تشرب القهوة طالما أنها ليست لك و لست الشخص الذي أعرفه ، فهذا أفضل .
خيم صمت ثقيل كالرصاص في أركان الغرفة..لا أحد يتكلم، سكينة كسكينة القبور، لم ينبس أحد ببنت شفة، و بعد ثوان قليلة حدقنا ببعضنا أنا و زميلي، ثم جاءتنا نوبة من الضحك المتواصل، لم نستطع أن نوقفها..فرمقنا صاحب البيت بنظرة حاقدة، امتقع لونه، احمرت عيناه و توهجتا مثل نار موقد، ثم استشاط غضبا و بدأ يرغي و يزبد، و يفور و يغلي الدم في عروقه، و طفق يرتجف بعد أن نفذ صبره ولم يعد يستطيع تحمل قهقهتنا المتواصلة.فصرخ و قام بطردنا شر طردة، وقبل أن نغادر منزله رشقنا بأحد فناجين القهوة، فأسرعنا بالجري و الهرب بسرعة فهد، قبل أن يجبرنا على دفع ثمن القهوة التي لم نتذوقها،متناسين تعبنا و عطشنا من شدة الضحك .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
هيلدامخلوف

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة