اقتصاد الأرصفة

العدد: 
14891
التاريخ: 
الاثنين, تموز 10, 2017

يفترض بالمدينة التي تعافت من الإرهاب أن تخلع تلك الفوضى البصرية التي تملأ الشوارع الرئيسية في بعض الأحياء ،وتضج بها الأرصفة التي تتزاحم عليها البضائع ويندفع بعضها من داخل المحال لتزاحم المارة على الأرصفة الضيقة بشكل عام .
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لن تستطيع أن تحمل عبء تأمين  فرص عمل حقيقية لمئات الآلاف ممن فقدوا عملهم خلال الأزمة ومن غير المعقول أن تقف وزارات أخرى عائقاً أمام فرص عمل أوجدتها الأزمة وجعلت منها سوقاً يشي برغبة البسطاء في إيجاد فرصة عمل أوجدتها الحاجة ووقفت في وجهها قوانين الحياة الطبيعية .
باعة البسطات يرون في عملهم تحدياً لظروف الحياة القاسية ووسيلة لكسب العيش الشريف ،حتى وإن خضعت أعمالهم البسيطة إلى الملاحقة القانونية ،كونها تشبه إلى حد كبير تلك العشوائيات التي انتشرت في سنوات ما قبل الأزمة لعدم استطاعة وزارة الإسكان في حينها تأمين السكن النظامي والمناسب ومنخفض التكلفة قياسا بدخل أصحاب الدخل المحدود .
خطر البسطات لايكمن في وجودها أو انتشارها ،وإنما في الفوضى البصرية التي تخلفها ،وفي عرقلة المارة في أكثر الأماكن ازدحاماً ،وفي سنوات الأزمة الأولى كانت مجالس المحافظات عموما وخاصة تلك التي تعرضت بعض أحيائها إلى عسف الإرهاب تغمض إحدى عينيها تجاه هذه الحالة غير الصحية في انتشار البسطات الدائمة التي شكل بعضها سوقاً إلتهم الأرصفة وبعض مفارق الطرق حتى في العاصمة دمشق ،واليوم يبدو  أن المدة الزمنية التي وعد بها مجلس مدينة حمص الذي تم حله قد انتهت لإزالة هذه البسطات التي أصبحت أكشاكاً مع مرور الوقت ،ولم يبق على الجهات المختصة سوى إزالتها وإيجاد البدائل .
المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر هي البديل الوحيد في الفترة الحالية ،ولأن مثل هذه الخطوة تحتاج إلى تمويل فإن دور الجهات الممولة أصبح ضروريا  في مرحلة إعادة بلسمة الجراح والترميم  ،وهنا يأتي دور المصارف العامة في منحها وتمويل ما تراه مناسباً لها من تلك المشاريع التي أصبحت ضرورة ملحة وخاصة في حالة العجز الذي يعانيه القطاع الإنتاجي العام ،وبعد أن مضت سنوات طويلة أنفق الميسورون ما ادخروه في أيام الرخاء .
إن تفعيل القروض هو أحد الأساليب التي يمكن من خلالها حل الكثير من المشكلات المجتمعية وتفعيل دور الأفراد في بناء اقتصاد الوطن ،وهنا يأتي دور المصارف في البحث بمسألة جدوى المشروع وآلية المنح والزمن اللازم والقيمة أيضا .
البسطات تعكس صورة قاتمة لاقتصاد البلدان النامية ،والمسألة تحتاج إلى تنظيم ،وليس إلى قمع وإزالة ،خاصة وأن الكثير منها هي من مفرزات الأزمة التي طبعت الكثيرين بطابع الفقر .
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
إسماعيل عبد الحي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة