عودة العرجون القديم

العدد: 
14895
التاريخ: 
الأحد, تموز 16, 2017

وهكذا طرد المعلم من بلدته بتهمة تخدير شباب البلدة بالفرح الكاذب ..وذلك بعد أن عم القحط وقل الرزق, وبعد الجوع وتفرق الجموع ..
تسلل تلميذه ولحق به , توسل إليه وأنفاسه تتقطع أن يسمح له بالانضمام إلى رحلته ..
نظر المعلم إلى الأرض طويلا ثم قال: ستتعب يا فتى فرحلتي طويلة .. طويلة .. ودربي أشواك وحجارة عد إلى أمك .
تململ الفتى وترقرق الدمع في عينيه, فمسح  المعلم على رأسه الحليق وابتسم ..وقال له: اتبعني ..
مشى الفتى يتأخر خطوة واحدة عن معلمه .. وبدأت الرحلة الطويلة مجهولة الوجهة..
وبعد أن هدّهما التعب اختار المعلم أكمة بين جبلين وجلس يتبعه تلميذه ..أخرج صرة تشابكت ألوانها ,فتحها بأصابع مرتجفة وبعد البسملة الطويلة أشار لتلميذه أن يبدأ بالطعام ..
قال المعلم : بالتين والزيتون سيعود بلدنا آمناً أمينا .. لا تقنط يا بني ففي الشجرتين سر الله .. انظر إلى الطيور كيف تلاحق رائحة التين وتحمل خلودها  وتزرقه في كل  مكان .. انظر إلى الزيتون يخرج منه الزيت, ومن الزيت يخرج النور  .. يا بني من كهف ولدنا وللكهف نعود .. سنصليّ  كي يبقى السر باسطاً ذراعيه على طرقات رحلتنا ..
مسح لحيته البيضاء الطويلة وشكر ربه.. ثم وبإشارة منه قفز الفتى لمتابعة الطريق ..نظر المعلم إلى المساحات الخضراء التي وصلوا إليها وشنف أذنيه لأصوات الطبيعة العظيمة ..كانت العناصر ترتل أناشيد اللون والضوء..
تمتم تلميذه على استحياء : معلمي لماذا لا نأتي بأهلنا إلى هنا .. انظر ما أبهى هذا المكان ..تتفجر حبات الرمان كالياقوت والأعناب دانية القطاف والماء نمير.. والأخضر ينسفح  في كل مكان ..
صمت المعلم  وقد  اربد وجهه  ثم صاح مزمجراً : تأدب يا فتى ... فلهذه الأرض رب يحميها .. لا تنظر إلى ما ليس لك كيلا تفقد ما بيديك ..فأنت صلصال وماء ونار .. فكن ماء حينما تحترق وكن صلصالاً حينما تورق .. وكن ناراً حينما يهزمك الباطل .
أسقط بين يدي تلميذه ولاح من البعيد ما يشبه الكوخ فغذا السير باتجاهه .. كان الكوخ مبنياً من حجارة تتعشق بينها الأعشاب الطرية, والأزهار الندية وتحف به أشجار السرو والكينا .. أبعد الفتى الغصون التي تحجب باب الكوخ كي يمر معلمه ثم أطلق سراحها فاصطفقت بتمرد جميل.. التحق الفتى بمعلمه وراقبه وهو يمدد عباءته ثم يستلقي ويذهب في نوم طويل.. بينما بقي تلميذه مستيقظاً يهش أسراب الذباب والبعوض عن وجه المعلم الذي لوحته الشمس وخدّده الزمان والجوع..
تململ المعلم في فراشه.. تحركت شفتاه وصاح بألم :  هبّ التلميذ لاحتضان المعلم الذي لملم نفسه, والإعياء باد عليه  .. هرع الفتى يبحث عن إناء في هذا المدى الكبير حتى اهتدى إلى حجارة على شكل جرن, ملأها بماء الغدير ودخل الكوخ وهو يترنح .. توضأ الشيخ وصلى .. ثم خرج من الكوخ وقد صفت نفسه ورقّ قلبه .. نظر إلى القمر فوجده بدراً مكتملاً يتربع كبد السماء, يميل بوجهه الناصع, ويغمر الأرض بلونه الحليبي الصافي .. عاد إلى الكوخ وقال كمن يحدث نفسه : رأيت فيما يرى النائم أنني بين أقوام تشبه القردة .. لحاهم شعثاء وعيونهم ممطوطة للأسفل, وشفاههم غليظة وأسنانهم عريضة كبيرة .. وشعورهم مسترسلة على ظهورهم .. أقاموا مأدبة ودعوني إليها .. فرشوا السجاد ووضعوا أرائك من الحرير..فرشوا المفارش  ووضعوا فوقها الأباريق والأكواب التي يلمع ويقرقر من جوانبها حبيبات الخمر المشتهى,وتوزعت الفاكهة بكل الأحجام والألوان, وصفوا لحم الضأن في أطباق من زجاج دمشقي صقيل ثم صفقوا فدخلت قمر وبدأت تتمايل بخصر رهيف شفيف وقدّ ممشوق كنخلة .. وصدر من مارج من نار وشعر يطير بلون الزفير, تغمز بعينين تومضان وتلمعان كالفيروز وتبتسم بشفتين من زمرد ..
فجأة ودون أي مقدمات قام كبير القرود وشق القمر إلى نصفين.. أصابتني القشعريرة وصحت حتى تجرّح حلقي, فأتبعوني بها وشقوني إلى نصفين بسيف  تبرز من قبضته حروف عربية  كبيرة .. ثم شقوا كل نصف مني إلى نصفين .. ثم إلى ربعين حملت أنصافي وأرباعي حتى ملئ الكون بي .. همت على وجهي .. مررت بقبائل وشعوب من كافة الأجناس والألوان .. مررت بشعوب عراة, وأخرى محتشمة حد التطرف ..  دخلت الأرحام وانتظرت تسعة أقمار ثم خرجت .. ثم دخلت .. وكلما بليت أعود وأمتلئ باللحم والدم ..
مرة أكون ذكراً ومرة أنا أنثى .. مرة أئم المؤمنين وأصلي كي يعود الفيروز والياقوت والزفير إلى أماكنهم ويهطل المطر على السنوات العجاف .. ومرة أرعى قدّاساً وأناول المؤمنين خمرة العشق الإلهي..
فمن أكون يا تلميذي .. من أكون !
ركع التلميذ أمام معلمه وشهق بدموعه وقال بصوت كالعويل :
صلّ لأجلنا يا مولانا .. صلّ لأجلنا يا أبانا .. فأنت روح هاربة من جسد فان .
همهم المعلم وعيناه تجوسان هذه المفازات اللامتناهية : أنا المشتاق يا ولدي ...أنا المطرود..  أنا العاشق..أنا  المعشوق ..
صفرت الريح .. وعجّ الغبار وتحركت عناصر الكون .. وبرق الغرب فرد له الشرق الصوت وحمحمت الجهات الأربع ..وتجمعت السحب متلاصقة مترادفة تستجيب لصوت أمها الطبيعة .. سقط أول الغيث .. ثم تتالت خيوط المطر بالانهمار ..فتح المعلم عباءته وخلع عمامته وركع على الأرض وطلب من تلميذه أن يفعل مثله ..تهجد صوته ورتل ببكاء يقطع نياط القلب :
عليك بكتمان السر .. عليك بقلة الكلام .. عليك بالحب ..   .. عليك بالحب .. عليك بالحب..........  عليك بالحب.. اقرأ عليّ (( أبداً تحن إليكم الأرواح ))
فقرأ الفتى ودموعه تبلل خديه اللذين أنضجهما المطر ..فأردف المعلم كي   يزيد من  حماس  الفتى   : اقرأ .. اقرأ ولا تتوقف فإن الله يسمعنا .. ويريد منا أن نبحث عن قمر ونعيد إليها نصفها المسروق ..
قال  الفتى  بوجد : كم كان الطريق طويلاً يا معلمي .. هل للأقمار منازل ؟
صاح المعلم بمرح : هل تعبت يا فتى ؟
بعد هذه الرؤية سأحارب خرافات الجسد, وأخرج النور من ظلمات القلوب سنعيد نصف قمر المتشظي .. سنمرّ على البلدان .. سنجده ونعيده لها قمراً وحيداً ..  كاملاً  يضيء هذا الظلام  القبيح  المتفشي .. ثم نعود إلى بلدنا المعشوق الأول .. لا بد أن المطر يدق الآن فوق أسطح بيوتنا ويغمر حقولنا .. ويقف على نوافذنا  وشوارعنا .. لا بد أن خيوط المطر تتراقص مع نار تنانيرنا حيث سيسمع قصص النساء اللواتي يصنعن  أقماراً من خبز وفرح ..
غن يا فتى أبداً تحن إليكم الأرواح .
هامش : أبداً  تحن  إليكم  الأرواح .. مقطع من قصيدة طويلة  للسهروردي.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
فاديا عيسى قراجه

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة