الغولة

العدد: 
14895
التاريخ: 
الأحد, تموز 16, 2017

تناقل الناس أحاديثهم الغريبة عن الغولة التي سكنت أطراف قريتهم المحاطة بالجبال قالوا إنها تؤذي بنظراتها.. أبناءهم .. وتصيب صغارهم بالحمى وتنشر الوباء!
لم تكن الغولة سوى (نجيّة) المرأة التي حرمت من الخلفة .. ونظرت إلى كل طفلٍ بعين المتحسر الذي يشرع الأبواب لشياطين الحسد تتلوى توقاً للنسل.. ولا تنسل.. تهلك المولود أياً كان جنسه!! لذلك اعتزلها الناس.. وخبؤوا الصغار في أقمطتهم وتعوذوا من شر حاسدٍ إذا حسد..!! ومرت الأيام و(نجيّة) تبتهل ابتهال الدراويش في غرفةٍ أشبه بجوف محارة.. يدخلها ضوء شحيح.. العتمة في القلب.. والزوجة مذعورة من ميل قلب زوجها  لامرأة تثمر عن طفل.. يوم لاذت بالبصارة تسألها عن حبال الأمل الضائعة.. أجابتها دون تردد : (جسدك ليس موصداً.. جداول الأمومة لم تغادر جوفك الأنثوي .. لكنه زوجك.. ليس في ظهره أبناء!) صرخةٌ شقّت صدرها .. كأنما الأرض انشقت عن سيل يجرف عن صدرها صخرة قاتمة من حلكة الانتظار..!! كل هذه الأعوام و نجية تحرق قلبها من ذنب لم تقترفه؟ أسرت لنفسها: ما أعذب ذنوبي حين أكفر بها عن فضيلة الذل والطاعة لرجل أجوف!! روح غضب سرت في أجساد الجبال المحيطة بالقرية.. الجبال شاهدة على الخطيئة والخيانة درب المهالك. أثمرت(نجية) بعد سنوات من القحط.. وفي يوم لمع في ظهرها سوط من نار.. شهقات مكتومة تلاحقت مع السياط المتلاحقة.. يسارع زوجها في طلب عجوز تعينها على آلام المخاض .. بعد لحظات حمل الوليد بين يديه وعاجلها بشرابٍ يحبك عظام الأنثى المبعثرة من الولادة .. أصابع (نجية ) تنسكب بماء الورد على الجسد الصغير.. تمرر يدها على الجسد الشمعي.. (أستسقيكَ ياغيمتي.. وقرة عيني.. قبلك كاد ظمأ العمر يقتلني).. بعد الغسل .. تأتي بالجمر .. تذكي النار.. فتفوح رائحة البخور.. تقطع به دروب العيون الحاسدة.. الذبائح تنحر فرحاً بقدوم الصغير..الولائم تمتد.. والوليمة التي لا تطال فقراء القرية.. تعيب مولمها!! يكبر الصغير وسرّه ليس في بئر.. سرّه موشوم على الجبال.. لمن يرى.. ويسمع ! كانت نجية عائدة من زيارة أهلها في القرية المجاورة.. حين أصابتها نوبة صرع مفاجئة .. قال زوجها إنه جني يسكن جسدها .. ويعذبها .. وإن لها علاقة خفية بعالم الجن .. صدّقه الناس  أليست هي الغولة التي قتلت بنظراتها أطفالاً في المهد ! في اليوم التالي وجدوا جسد (نجية) طافياً على وجه بئر .. ردد زوجها: هو الجني ذاته.. قتلها ثم غادر جسدها ...طافت روح (نجية) في أرجاء القرية .. أيقظت الزوج النائم.. ظلت تلاحقه في يقظته وفي كوابيسه.. حرمته طعم النوم ولذة الحياة .. كان يراها في كل مكان يطأه.. وفي كل وجهٍ يقابله.. بدأ لونه يشحب ويتغير .. وكاد جسده يشفّ عن روح تتعذب كل يوم.. مضى إلى الجبال .. ليفصح عن جريمته بعد طول عذاب .. تقول الجبال إنه لم يقتلها  لخيانتها له بل لأنها أوقعته في حب أبدي لابنٍ ليس من صلبه .. كأنه معلق بين السماء والأرض.. فلا هو قادرٌ على هجره.. ولا هو قادر على تربيته في حجره.. ومنذ سبعين عاماً حتى اليوم ما زال الناس يتناقلون أخبار المرأة الغولة.. وزوجها الذي غاب في طيات الجبال تاركاً وراءه شهوة الحكايا.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سمر المحمد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة