( ثلاثة شعراء.. أحاديث وذكريات ) ... بين التوثيق.. والنقد الأدبي

العدد: 
19911
التاريخ: 
الاثنين, آب 7, 2017

إن التحليق فوق القمم الشعرية على بساط الريح الذي نسجه الأديب «عيسى اسماعيل» في كتابه الصادر حديثاً بعنوان « ثلاثة شعراء» ،لهو رحلة ممتعة ومفيدة في آنٍ معاً ، خاصة وأنه اختار من عقود الشعراء واسطة العقد فقد بدأ  بمتنبي القرن العشرين ، رئيس جمهورية الشعر..« محمد مهدي الجواهري» ثم انتقل إلى شاعر الوحدة والعروبة والطفولة سليمان العيسى « وانتهى في رحاب شاعر جديرٍ بأن تكتب قصائده بماء الذهب « أحمد أسعد الحارة ».
هذا الكتاب الشائق، يجمع  ما بين النقد الأدبي، والذكريات الشخصية ، والخواطر التحليلية ، فيضيء جوانب ليست معروفة عن هؤلاء الشعراء العمالقة ، والقاسم المشترك بينهم هو العروبة فكراً وسلوكاً ، والعبقرية الشعرية بكل ما يتفرع عنها من  تفرد وغنى وتجديد في الشكل والمضمون فهم مبدعون حقيقيون ، ورموز متألقة للخصب والحياة ، وهم محل فخر واعتزاز  لكلّ مواطن عربي ،لأنهم ثروة وطنية خالدة فقد راحوا يصوغون من مقالع الأبجدية ثماثيل إبداع ، وحجارة فنّ وصخور وعي تعبّد طريق المستقبل محققين مقولة :إنّ الرصاص داخل قلم الرّصاص ليس أقلّ أهمية من الرصاص داخل المسدس.

رئيس جمهورية الشعر
في الفصل الأول من الكتاب تدفق الحديث عن الشاعر الكبير « محمد مهدي الجواهري» «1899-1997: الذي سكن بمدينة دمشق ، فتفجرت عنده ينابيع الشعر بشكل غير مسبوق ، ونقرأ هنا وصفاً لهذا الشاعر ، ورد من الكتاب « عجوز يضع قبعة على رأسه ، يلبس بذّة أنيقة ، وربطة عنق فاخرة ، عينان صغيرتان لامعتان يمشي جسده منحنٍ قليلاً بفعل السنين، غير أنّ عنفواناً نادراً وعزّة نفسٍ قوية وثقة ليس لها حدود تجلل كلماته إذا تحدّث.
إنه أبو الفرات مالئ الدنيا وشاغل الناس، شاعر العراق الأبرز وشاعر العرب الأكبر في القرن العشرين ، ثم ينهي المؤلف حديثه بمختارات رائعة من شعره ، نقتطف منها ما قاله في رثاء الشهيد الركن المظلي المرحوم «باسل حافظ الأسد «:
ياابن الثلاثين صاغت منه جوهرةً
                                           تطوي عليها الليالي وهي تزدهر
يا من أنرت في الأجداث وحشتها
                                                مني عليك سلامٌ أيها القمر
ومن قصيدته الخالدة « دمشق يا جبهة  المجد»:
يا حافظ  العهد يا طلاع ألوية
                                                      تناهبت حلبات العزّ مستبقا
يا حاضن الفكر خلاقاً كأن به
                                                     من نسج زهر الربى موشيّة أنقا

شاعر الوحدة العربية والطفولة

وبرفقة الأديب « عيسى اسماعيل « نمضي لارتقاء قمة جديدة يسكن في ذروتها شاعر العروبة والطفولة « سليمان العيسى» «1921-2013» النجم اللامع في سماء الشعر ، وهو ابن لواء اسكندرون السليب وصوت الإنسان العربي المناضل نزح إلى حلب ودرس في بغداد ، ثم عاد إلى دمشق حيث استقرّ بها ، وقد زار مدينة حمص عام «1998» مشاركاً في مهرجان حمص الثقافي .
كانت قصائد هذا الشاعر الكبير أهازيج للثورات العربية في الجزائر وسورية ومصر واليمن ، وقد ردّد العرب قاطبة بيته الشهير :
-أمة العرب لن تموتي   
                                                         وانني أتحدّاك باسمها يا فناء
وقوله في انتصار السادس من تشرين «1973»
-على أقدامنا سقط المحال  وأورقت الرجولة والرجال
تسعة عقود من عمره ، أثمرت دواوين شعرية وكتباً نثريّة ومن لا يردّد من أبنائنا وأحفادنا أبياته الجميلة ؟
ماما ماما يا أنغاما ، عمي منصور نجار ، فلسطين داري ودرب انتصاري تعامل مع البيت والأسرة والمدرسة والشارع والألعاب والوطن والطبيعة ، والأهداف القومية ، والأفكار الإنسانية ، وانحاز إلى جانب المعذبين في الأرض ، فأيقظ فيهم الهمم الخامدة  وزرع في عقولهم بذور التمرّد والثورة ومن قصيدته « الخالدون» التي تدخل حرم الشهادة مرتلة قوله :
ناداهم البرق فاجتازوه وانهمروا
                                       عند الشهيد تلاقى الله والبشر

قصائد بماء الذهب

أخيراً نصل إلى قمة ثالثة من قمم الشعر وبرفقة الأديب « عيسى اسماعيل» أيضاً ، لنتعرف على مسك الختام الشاعر « أحمد أسعد الحارة » الذي وصفه بأنه رجل طويل القامة ملامح الهيبة والوقار لاتفارقه، أنيق اللباس مواليد الحارة عام «1938» التابعة لمحافظة اللاذقية ، وهو شاعر وباحث في التراث العربي واللغة العربية ، وقد صدر له عدد من الدواوين الشعرية والأعمال النثرية ، ومن قصيدته في وصف نهر العاصي الجميل :
لجلالة العاصي تحفّ به رباً     
                                  يعرى لها العاصي المطيع فترتدي
والشاعر في مركز الدائرة الشعرية ، وزمن الشعر لديه تتنامى فيه كل الأزمنة ، وهو الرؤية المتوهجة عمقاً واتساعاً وهو الشاعر المسافر عبر ذواته إلى ذوات الآخرين ،له عالم خاص ، صنعه بقدرته الفنية ، يبث الروح في الجهاد ويجمع في شعره الأصالة والمعاصرة ، وهو حالة متفرّدة للإبداع  بين الجودة والغزارة ، يفوح منها عبير الروح ومنبع الذكريات والعواطف، يحبب إلينا الجمال ، ويرفع ماء الينبوع إلى الأماكن الإنسانية العالية كي تخضوضر بالأمل والفرح ،
ومن ملحمته عن مدينة تدمر قوله :
-عرجت على أم ّ الأوابد تدمر                 أمد إراءاتي بكلّ عنان
فألفيت كلّي ناظراً كلّ.. ناظرٍ               وحسبك من عشقين يلتقيان
وللتصوّف في شعر الحارة  نصيب لا بأس به ،ومن قصيدته «ليلى والنور» التي تربو على مئة بيت قوله:
            يقولون لا تهجر ديارك تغترب
                  فقلت اغترابي في دياري العزيزة
تعددت من ليلى تعدد طيفها
                 منها أنا من ليلى كثيرٌ... بوحدتي

أخيراً لابدّ من التنويه بأن المؤلف الأديب « عيسى اسماعيل» نجح في كتابه هذا بالجمع بين التوثيق التاريخي لسيرة هؤلاء العمالقة وبين النقد الأدبي لأعمالهم الشعرية وهذا أعطاه  علامة فارقة على درجة كبيرة من الأهمية تحتاجها المكتبة العربية لاستكمال الدراسات السابقة التي تناولت أعمالهم بالنقد والتحليل.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نزيه شاهين ضاحي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة