تحية الصباح...المعرض ولذة الانتظار

العدد: 
19912
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 8, 2017

كيف كانت أحلام طفولتنا وأمنياتها تتداخل لتصبح واحدةً؟ كيف كانت صغيرة وبسيطة لا تكاد تتجاوز الممكن وما هو واقع ؟!
كنا نتمنى النزول من القرية إلى المدينة والحلم أو الأمنية : أن نحضر عرضاً سينمائياً في سينما  الفردوس أو الحرية أو الأوبرا  وأن  نأكل فطيرة جوز من محل الشيخ ورق تحت فندق قصر رغدان .هذا كان برنامج الأمنية الممكنة في النزول إلى المدينة . ولكن أمنياتنا البسيطة  امتدت وتوسعت في الذهاب إلى العاصمة دمشق . ومتى ؟ في موسم إقامة معرض دمشق الدولي ، فقد كان ذاك الذهاب حلماً شهياً وأمنية عذبة وكان المكان الممتد من ساحة الأمويين إلى التكية السليمانية مكاناً لرسم صورة الجمال الذي لا يوازيه  جمال ، هنا البحيرات الاصطناعية ذات النوافير  الملونة ، وحولها مقاعد يجلس عليها الزائرون ، ونهر بردى في ذلك المكان يتحول إلى عالم خاص من الألوان الممتزجة بالمياه ، وكم كان يحلو تأمله ، وكم كنا نتذكر ما حفظناه من شعر فيه ومنه مطلع قصيدة أحمد شوقي الشهيرة :
سلام من صبا بردى أرق                        ودمع لا يكفكف يا دمشق
وقول إيليا أبي ماضي :
 وانزل على بردى يصفق ضاحكاً          يستعطف التلعات والأعشابا
ونستمع إلى الشاعر سعيد عقل بصوت الرائعة فيروز:
 مرّ بي يا واعداً وعدا                مثلما النسمة من بردى
وأما أجنحة الدول المشاركة فلها أحاديث وأحاديث من حيث حجمها والبضائع المعروضة ، فكان جناح الاتحاد السوفيتي-روسيا الاتحادية ورابطة الدول المستقلة- يأتي دائماً في المرتبة الأولى ، فكان مقصد زيارتنا الأول ، وكان ينافسه جناح الجمهورية العربية السورية وجناح الصين الشعبية ولكنّ صغر بعض الأجنحة  لم يكن يمنعنا من زيارتها لتعرف فلكلور شعوبها من خلال الصور والبضائع  والإلمام بمكانها على سطح الكرة الأرضية ولغتها وعاداتها وتقاليدها ، أما معرض  الآلات الحديثة فكان  في الجناح  الألماني وكم كان فرحنا الطفولي غامراً عندما نجد على باب الدخول واحداً من أبناء ضيعتنا يسمح له نفوذه بإدخالنا مجاناً إلى المعرض !!
فطيب الله ذكر الشهيد عبد الهادي الجاعور أحد شهداء تفجير الأزبكية في الثمانينيات فكم رحب بنا و سهل لنا  دخولنا من البوابة التي يشرف عليها أو من بوابات أخرى كنا نتسلح باسمه للدخول منها و هذا ما دفع أحد أصدقائنا الظرفاء إلى القول لأحد المشرفين على بوابة دخول من أجل عبد الهادي هل تسمح لنا بالخروج !
و مسرح معرض دمشق الدولي ناطق بتاريخ الأخوين رحباني و فيروز و من عمل معهم من كبار الفنانين : نصري شمس الدين ، فيلمون وهبي ، إيلي شويري ، جوزيف عازار ، محمد مرعي ... و لكنه ناطق أيضا بمهرجانات الفن و الفرح التي قدمها آخرون و ما عشت لا أنسى الحفل الغنائي الذي قدمه الفنان عبد الحليم حافظ على مسرح المعرض و كان الأخير في حياته و غنى و كان يذوب مع الغناء : أهواك ، في يوم من الأيام ،قارئة الفنجان .
نعم إنها لذة انتظار المعرض و متعة زيارته في الماضي فكيف اليوم و قد أصبح للمعرض مدينة كاملة على طريق دمشق الدولي ؟!
و كيف اليوم ووطني سورية طائر الفينيق الذي يولد من احتراقه أجمل أو أقوى ؟ ألا نستطيع القول : إن لذة الانتظار ستكون أقوى و متعة الحضور ستكون أجمل لأنهما تدلان على أن عجلة الحياة لم تتوقف و لن تتوقف في وطني سورية و لو هاجمته ذئاب الحقد و ثعابين الشر من كل أصقاع الأرض .

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. غسان لافي طعمة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة