قصة قصيرة..واجب عزاء

العدد: 
19912
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 8, 2017

كالعادة عندما يرحل انسان ما عن هذه الدنيا الفانية ، فإن أصدقاءه يذكرون مناقبه ، ويستعيدون ذكرياتهم  معه  وهذا ما حصل لي عندما رحل صديقي العزيز –أبو ثائر- رحمه الله فذكرياتي معه كثيرة بحكم العمل  والصداقة . وإن أنسى فإنني لا أنسى شغفه الكبير بتقديم التعازي !!.
فكلما سمع أن فلاناً ما قد  مات ، عرفه أم لم يعرفه ، فإنه يبحث عن صلة ما ليذهب ويعزي فيه ، ويأخذنا، نحن أصدقاؤه، معه.
فتراه يقول :» لقد مات فلان وهذا هو صهر ابن عمة فلان وهذا الأخير  صديقي   والواجب أن نعزي به .. فهذا  ثواب.. ماالذي سنأخذه بعد عمرٍ طويل سوى الأجر والثواب ؟!! يا أخي يستطيع الواحد منا ، إذا أراد أن يعتذر عن حضور حفل زفاف أو طهور أو عيد ميلاد .. ولكن الواجب أن يسارع إلى تعزية أو جنازة !!.
وفي ذلك اليوم ، قبل سنوات أخبرني أبو ثائر بصوته الأجش، أن فلاناً قد مات بحادث  وهو ابن فلان الذي هو من العائلة الفلانية التي كانت على صلة ما بعائلته قبل عدة عقود . والواجب أن نذهب جميعاً للتعزية لتخفيف المصاب  عن ذوي المرحوم ولكن .. من يعرف مكان التعزية ؟!
تطوع أحد المستخدمين في الدائرة وقال إنه سمع بالوفاة  وأن مكان التعزية قريب من منزله .. وراح يقول نذهب إلى آخر الشارع ثم نلف نحو اليمين  ثم نأخذ الشارع الثاني على اليسار فنرى خيمة التعزية ..!!
ركب أبو ثائر سيارته وأجلس بجانبه دليلنا- المستخدم-وأخذ معه بعض الزملاء، وركبت سيارتي ومعي بعض الزملاء.. وسرنا ، وصلنا المكان المنشود دخلنا خيمة العزاء ..
« عظم الله أجركم..!! رحمه الله تعالى .. المرحوم كان رجلاً محترماً ...».
كانت كلماتنا لذويه وكان  ذوو المتوفى واجمين ، مندهشين  لسماع كلماتنا .. ولم يردوا علينا .. وكانت أعينهم تتساءل عن شيء ما ولم نعرف أحداً منهم ولا هم عرفوا أحداً منا ..!! ولاحظت أنهم يشيحون بوجوههم عنا ..!!.
جلست وجلس بجانبي أبو ثائر .. ولفت نظري  لوحة مكتوب عليها « آل كذا.. ينعون وفاة المرحومة .. أم .. ويشكرون تعازيكم..»
ما هذا ؟! قلت في نفسي وهمست إلى أبي ثائر أن ينظر إلى اللوحة فأصيب بدهشة لا تقل عن دهشتي وهمس في أذني « لقد عملها فينا ذلك الغبي!!».
وفاجأنا دليلنا المستخدم بالقول بصوت عالٍ « رحمه الله لقد كان مثال  الاستقامة .. كان زميلي على مقعد الدراسة في المرحلة الابتدائية .. أعرفكم الأستاذ فلان مديرنا ، والأستاذ أبو ثائر أمين السر .. وهؤلاء زملاؤنا .. ما إن عرفنا  برحيل المأسوف على شبابه حتى حضرنا لأداء واجب التعزية ..!!».
اشرأبت أعناق الحضور .. وكانوا مندهشين وكأن على رؤوسهم  الطير . بينما كنت أنا وأبو ثائر نكتم غيظنا .. وأنقذ أبو ثائر  الموقف فقال « لنقرأ الفاتحة على روح المرحومة ..!».
قرأنا الفاتحة وخرجنا مسرعين .. وعلى بعد خطوات اندفع المستخدم نحو أبي ثائر معاتباً» كيف تقول المرحومة.. يا رجل  تسببت لنا الإحراج والخجل .. فاندفع أبو ثائر يشتم ويصف المستخدم بالحماقة والجهل والغباء .
« لماذا ؟!ما الذي فعلته؟!!»

وعندما شرحنا لدليلنا « الجهبوذ» أن المتوفى امرأة وليس رجلاً .. ضرب يده على رأسه وقال :
« أي والله .. صحيح .. التعزية بعد ثلاث شوارع من هنا .. من أجل الله لا تؤاخذوني ..!!»
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة