الصراع الأزلي

العدد: 
19913
التاريخ: 
الأربعاء, آب 9, 2017

البحر هادئ ..ساحر..جذاب ..إنه رمز الخير والعطاء ..الأمواج هادئة ..النسائم منعشة ..السماء صافية ..
غيوم سوداء تلوح في الأفق البعيد ...الجبال البنية ذات القمم الثلجية تختفي شيئاً فشيئاً ..والبحر كما هو ..اليابسة تبتعد والبحر مازال كما هو ..هادئاً ..صافي المياه ..
خيّم الظلام على البحر بأسره فتغير لونه من الأزرق الصافي إلى الأسود الدامس ..أصوات الأمواج الرقيقة وهي ترتطم بالسفينة تكسر صمت المكان ...
ولكن في الأعلى ..شعرت بالغصة التي تخنقها وتمنعها عن الكلام حين لامست صديقتها ..فسخرت كل ما لديها من قوة التي تحولت نوراً وخوفاً في آن واحد لتدفع هذه الغصة التي غادرت منزلها ليس للمرة الأولى ..بل هذا هو قدرها الأزلي الذي رسم لها في عالم الغيب ..لتندفع بكل ما لديها من قوة تسابق صديقاتها ...
ارتطمت حبة المطر هذه بأرض السفينة ...وبدأت بعدها العاصفة ...وتوالت حبات المطر الضخمة كوابل رصاص على السفينة ..وأمواج البحر الهائلة تتدافع نحو السفينة كسرايا جيش جبار لا يخشى الأخطار ...والسفينة ترقص في عباب البحر تحت ضوء البرق اللامع وصوت الرعد القاطع ..وتتوالى حبات المطر وتزيد من قوتها حتى تتصل مع بعضها البعض مشكلة حبلاً ربط  السماء بالأرض ..  إنه حبل الكرم .. ولكن البحر يرى نفسه
أكرم منه .. فأخذ يرى ذلك وزاد من مياهه .. فعرفت السماء مراده وزادت من حبالها ... والسفينة تتابع رقصتها التي ازدادت قوة مع ألحان الرياح العاتية والأمواج العالية ...
يأخذ البحر السفينة من رقصتها إلى رقصته لتصبح تحت رحمته فهو مالكها وهو كل ما عرفت في حياتها .. فتبدأ بالتمايل وفق تمايله والحركة مع حركته .. وهو يقذفها من يده ليلتقطها مرة أخرى بيده ... السفينة تستمر في رقصتها .. تستجمع قواها وتسخر كل ما لديها من قوة لتصرخ كفى !!!!...
تتسلق هذه الكلمة حبل السماء حتى تصل إلى قلبها .. وتنشر صداها في كل أنحاء السماء .. فتسحب حبالها وتخفف من مياهها وتجمع غيومها وبروقها وتسحبها بعيداً ...
وفي الوقت ذاته ... تغوص هذه الكلمة نحو قاع البحر لترى ما فيه من مخلوقات وعجائب كلها ترتقب نهاية هذا الصراع الأزلي .. حتى تصل هذه الكلمة إلى قاعه .. وتردد نفسها في قعره .. فيخفض البحر من مياهه ويقلل من ارتفاع أمواجه .. ليعود إلى سكونه ...
تلوح في الأفق قمم الجبال ذاتها لم تتغير منذ أزلها .. تقترب السفينة منها فتزداد وضوحاً ... تخرج الشمس من حفرتها لتعرف نتيجة صراع البارحة .. فتتسلل أشعتها إلى الكون فتبعث الدفء في القلوب قبل الأجساد .. وتقف شامخة في كبد السماء تبعث الحنان والخير . تتسابق السفينة مع أشعة الشمس من جهة . وأمواج البحر من جهة أخرى . لتصدم برفق بصخور الشاطئ المحفورة بالحكايا والأسرار ... فما أعظمك أيها البحر ! من هو الذي أكثر منك كرماً وعطاء إلا السماء .. ومن أشد منك قوة إلا هي .... وأنت أيتها السماء من أكرم وأقوى منك غير البحر ؟؟!
فما أعظم خالقكما .....!!
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
أحمد محمد وهبي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة