الجسر

العدد: 
19913
التاريخ: 
الأربعاء, آب 9, 2017

وها هي كعادتها أنفاس الحنين والشوق تؤدي إلى الموت ، وها هو  سبيلهم جسر الأردن الذي شهد حكاية شعب متمسك بوطنه كافة قطعة من جسده .
شهد كل الأساليب التي اتبعها أولئك المقاومون للوصول إلى الطريق الآخر مرة على أقدامهم ومره زاحفين ، مختبئين وراء ظلمة الليل ولم يعرفوا أن  جنود الاحتلال قتلوا بوحشية كل المارين  من قبلهم .
ولو كان النهر ينطق لروى لهم كم حمل من أشلاء العائدين وكأنه لم يكن قادراً على حمل كل هؤلاء الضحايا  لوحده فرمى بهم على الشاطئ.
وفي هذه  الليلة شهد الجسر والنهر والليل قصة ثلاثة عائدين  شيخ من حمل في قلبه أملاً  كبيراً بأنه قد حان موعد عودته لبيته في فلسطين متأملاً بذلك المفتاح الذي لطالما حمله في جيبه وابنته التي ما عرفت فلسطين إلا من خلال قصص أبيها ورجل كان جندياً في فلسطين .
مشوا في الليل على ذلك الجسر الذي كان يلبس الليل قبعة . خطوات قليلة ويصلون  إلى بيتهم  ما همهم ما حال البيوت ، مادام هناك ماء وأيدي رجال تعيد تلك الحياة .
ولكن إلى ماذا ستنتهي بهم هذه الخطوات وقد بقي بضع دقائق لوصولهم للمنزل وفي قلب الشيخ خوف.
وعندما لمح الشيخ بيته ابتهج وقال لابنته
هذا هو منزلنا الذي ألفناه
فقالت الفتاة: لكنها مهدمة يا ابتي
فأجابها : لا تخافي سنبنيها بأيدينا
ولكن هذه البهجة سرقتها أصوات تنادي : تعالوا
وأصوات الرصاص   كل ما في القلب من آمال ، تجمعت على مدن سنين ولم تكتف بسرقة أحلامهم . فلمعان الرصاصات في السماء سرقت من  الليل ظلمته.
اختارت رصاصة  قلب جندي  فرمته في النهر لكي تحمله مع من كانوا قبله من العائدين .
وأمسك الشيخ يدا ابنته وشد الاثنان على المفتاح .
وردد بأن ابنته مازالت صغيرة لاذنب لها . اقتلوني ولا تقتلوها وبقساوة الجنود فقد قتلوا  الشيخ وقتلوا معه عطر الياسمين  وكل ما بداخل ابنته .
وتركوها بثيابها الممزقة ولم يعد لديها سوى المفتاح والنهر لبس ثوباً أحمر من دماء العائدين .
ولم يكن ذلك الجسر  إلا مقصلة ولم يكن إلا عائقاً يكبر كل يوم في وجه  العائدين.
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
ريما العبد الله

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة