قصة قصيرة .... حفل تأبين..!!

العدد: 
14932
التاريخ: 
الاثنين, أيلول 11, 2017

كان ثمة حشد من الناس جاؤوا لحضور حفل تأبيني لرجل رحل عن هذه الدنيا الفانية كما حدثني عيسى بن هشام الذي زارني متخفياً بعدما ترك منزل صاحبه بديع الزمان الهمذاني في هدأة الليل ليحكي لي الحكاية ..
أثار فضولي بعدما بدأ الحكاية بكلمات قليلة ثم توقف قليلاً ليجعلني آذانا
صاغية كما يقول .. وبعدما تأكد من استعدادي لسماع ما سيقول .. تابع بالقول :
( حضرت قبل سنين مع الحاضرين حفل تأبين في بلدتكم هذه ...والحفل عادة تقرأ فيه آيات من الذكر الحكيم ..
وتتلى فيه الفاتحة .. ويقدم فيه الطعام عن روح المتوفى . وفي مثل هذه المناسبة يتحدث الحضور عن حسنات المتوفى وجميل أعماله على مبدأ ( اذكروا حسنات موتاكم . غير أن ما سمعته يومها لا يزال في ذاكرتي فقد انبرى رجل من بين الحضور يرتدي بزة وربطة عنق علمت فيما بعد أنه حشر نفسه مع جماعة من الناس جاؤوا من بلدة قريبة .. وأخذ الرجل يصيح ( أي رجل مات .. أي قلب توقف عن النبض ....) وأعاد الكلام ثلاث مرات وحمدنا الله نحن الحضور أن الكهرباء مقطوعة وأنه لا وجود لمكبر الصوت في المكان . فزعيق صاحبنا يكفي إزعاجاً ويزيد ..!! وعلى رأيه كما قال : ( إن المتوفى ترك فراغاً كبيراً) وهذا والله صحيح أقول أنا عيسى بن هشام فكل من يموت يترك فراغاً في سريره وفي منزله وبين أهله لكن صاحبنا استمر يقول :
( إنه رجل كبير ليس في جيله في البلدة من يماثله .. فهو رمز الجود والكرم والعمل الصالح وإغاثة الملهوف وسوف تفتقده البلدة كما يفتقد الناس البدر في ليلة ظلماء...!)
هنا راح الحضور يلتفتون يميناً وشمالاً ويتساءلون في أنفسهم ( عمن يتحدث الرجل ) فهم أبناء البلدة ويعرفون المتوفى ... رجلاً عادياً بسيطاً عانى الفقر في حياته وكان مقتراً على أسرته ربما بسبب هذا الفقر لكنه عندما تحسن الحال وتوفر المال بقي على حرصه وتقتيره . ولم يذكر أحد أن الراحل قد مد يد العون لفقير أو محتاج غير أنه والحق يقال ما كان ليؤذي احداً وكان منطوياً على نفسه ولو لم يكن أحد أبنائه له من الأصحاب كثرة لما سمع أحد بموته ولما اجتمعنا لتأبينه .
( وتابع الخطيب المفوه مرثاته وأعاد تثبيت نظارتيه اللتين ربما احتجتا على ما جاء على لسانه من مديح فارغ ) وتابع عيسى بن هشام يقول ( لقد ضج الحضور وهزوا رؤوسهم عندما وصف صاحبنا المتوفي بـ(الراحل الكبير ) الذي يجب ألا ينسى بسبب فضله ونهج حياته .. ولا باس أن تسمى مدرسة البلدة باسمه ...).
ولأن برنامج الحفل لم يكن مقرراً فيه إلقاء كلمات فقد استفرد  صاحبنا الذي أطلق عليه فيما بعد لقب ( الأديب الكبير ) وتابع يقول ( يجب أن يسمى كل مولود جديد في هذه البلدة باسم الراحل الكبير ..!!)
هنا يقول الراوي عيسى بن هشام لم يتمالك الحضور أنفسهم فباتت الابتسامات على وجوههم وهزوا رؤوسهم وقد أصاب الإحراج والخجل ذوي المتوفى .. فهمس احدهم في أذن الخطيب (الطعام ساخن .. ولا نريد أن يبرد ). وقد أدهشهم أنهم لم يروا هذا الرجل الذي يطنب في مديح المتوفى .. ويسمعون منه كلاماً يسمعونه لأول مرة عن فقيدهم ...!!وختم صاحبنا خطبته بالقول ( إن الدروب والمجالس سوف تفتقد راحلنا الكبير .. ولو عددنا مكارم أخلاقه لاحتجنا إلى أيام وأيام ..)
ولكنني أنا العبد الفقير لله تعالى يقول عيسى بن هشام عندما عرفت سبب خطبة صاحبنا زال عجبي لأنه إذا عرف السبب بطل العجب . فصاحبنا الخطيب المفوه ، حصل من خلال خطبته على شيك برصيد . فقد توسط له ابن ( الراحل الكبير ) وعينه في مركز مرموق . وليس هذا فحسب بل وصارت زوجة (الأديب الكبير ) كما صاروا يسمونه في البلدة مديرة لمدرسة مشهورة  ( الأديب الكبير عبارة تسبق اسم صاحبنا على شاكلة ( الراحل الكبير ) وقد كررها على ذمة عيسى بن هشام سبعاً وعشرين مرة في خطبته العصماء ..
و لا يزال يطرب لسماعها دون أن يدري أن الناس يقولونها للتندر والفكاهة
 

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة