تحية الصباح..أبو فراس ..جارنا!!

العدد: 
14934
التاريخ: 
الأربعاء, أيلول 13, 2017

هو من الأصدقاء القدامى كنا في صف واحد ،وعلى مقعد دراسي واحد، في المرحلة الثانوية ،في ثانوية الفارابي ،يوم كانت الثانوية الوحيدة التي تدرس الفرع الأدبي للذكور ،في حمص. وكان لها شهرتها ،وتحتل موقعها، ببنائها القديم الحجري ..مكان ثانوية خالد بن الوليد حالياً .
كان بيت زميلي وصديقي يقع قبالة قلعة حمص من الجهة الجنوبية ، في حي الخضر أو حي القلعة .وكان يفاخر بأنه يعيش بالقرب من “ التاريخ” في إشارة إلى القلعة ، ويدعي، وربما يكون هذا صحيحاً، أن أجداده ساهموا في بناء القلعة ولم أجد ما أفاخر به ، تلك الأيام ، سوى التواضع وأنني أقيم في غرفة  صغيرة متواضعة في حي المريجة ، استأجرتها أنا وابنا عمي بعشرين ليرة سورية .. وذلك أواسط سبعينيات القرن الماضي. وكانت تلك الغرفة ذات سقفٍ من ألواح التوتياء ، ولانافذة لها ، وهذا معناه أن يبقى المصباح الأصفر المتدلي من السقف مضاءً ليل نهار،ولهذا السقف التوتيائي ميزة ،كنا نراها جميلة ، وهي أن حبات المطر التي تسقط على السقف لها طرقات جميلة كوقع موسيقي.. وكنا ننام على وقعها الذي تآلفنا معه .
وفي ثمانينيات القرن الماضي حصل تطور كبير في المنطقة المحيطة بالقلعة ..فردم الخندق الكبير حولها وصار مكانه طريق دائري ، ذو اتجاهين وكان هذا مثار فرح كبير بالنسبة لزميل الدراسة لأن طريقاً جميلاً يفصل منزله عن القلعة مع حديقة وهذا ما جعله يصيح في احتفال تدشين الطريق والحديقة مخاطباً محافظ حمص يومها المرحوم فؤاد العبيس  بقوله “سوف نذكرك كثيراً..بسبب هذا المشروع يا سيادة المحافظ..”.
غير أن حدثاً له أهميته الثقافية والتاريخية حصل في محيط القلعة ،تمثل في نقل رفات الشاعر العربي أبي فراس الحمداني من قبره المعروف قرب بلدة صدد إلى محيط قلعة حمص .. ووضعت الرفات في قبر رخامي جميل بجوار القلعة ، وصار صديقي يفخر بأنه جار الشاعر الكبير أبي فراس وكان يسهب في الحديث عنه ،دون أن يحفظ أية أبيات لجاره الشاعر . وكنا نقول له مازحين “ ليست لديك صفة واحدة من صفات أبي فراس الحمداني ..”.
المدهش .. أنني كلما زرت ضريح أبي فراس أشعر بالخجل والحزن .. وأنا أقرأ الفاتحة لروحه الطاهرة ، الخجل من التاريخ لأنه يروي عار قتل هذا الشاعر من قبل ابن شقيقته «سعد الدولة الحمداني» ابن سيف الدولة الحمداني ..لأنه خشي من نفوذ أبي فراس كشاعر وفارس ، وله تاريخه في الحرب والأسر ، فيلتف الناس حوله ويجعلونه زعيماً للدولة الحمدانية ..
وهكذا أرسل إليه عصابة قتلته قرب بلده صدد ،والمؤلم أنه بقي  ينزف دماً لأيام قليلة،والبعض يقول لساعات ..ولم يكن برفقته  سوى ابنته الشابة .. فخاطبها بآخر أبياته يقول :
“أبنيتي لا تجزعي كل الأنام إلى ذهاب
نوحي علي بحسرة من خلف سترك والحجاب
قولي إذا كلمتني فعييت عن رد الجواب
زين الشباب أبو فراس لم يمتع بالشباب”
وهذه الصرخة الشعرية ستبقى مدى الأزمان لعنة تلاحق قاتلي الشاعر الكبير.
سبعة وثلاثون عاماً عاشها أبو فراس “320- 357هـ” فيها من الفروسية والشعر ما جعله الشاعر الفارس ، في تاريخ الأدب العربي.
يحق لك يا صديقي أن تفخر بجارك أبي فراس الحمداني.. ويحق لي أن أفخر به معك ..وسوف تستمر يا صديقي بالمباهاة وأنت تسألني “ جاري أبو فراس الحمداني فمن يكون جارك ؟!” .. وربما أرد عليك ذات يوم بأن “ جاري..أبو فراس أيضاً .. ولكنه أبو فراس بائع الغاز..!!.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة