أعراف الخرافة بمواجهة القوانين

العدد: 
14999
التاريخ: 
الأحد, كانون الأول 17, 2017

القصة القصيرة عالم سردي لا ضفاف له، حيث يستطيع كل قاص طرح كل ما يجول في خاطره دون شروط مسبقة- غير الشروط الأدبية- ولكن ثمة شروط موضوعية لا يد للكاتب في اختيارها أو الالتزام بها، إنها تلك الناتجة عن الظروف البيئية التي تحيط به فيتأثر بها بطبيعة الحال؛ ولكن درجة التأثر تختلف من كاتب لآخر، وهذا ما يبدو جلياً في الموضوعات التي ينتخبها أبناء البيئة الواحدة، كما تبدو في المضامين التي ينحازون إليها، وهذا ما يبرز بطرق شتى في مكونات السرد والأسلوب الذي قد تغلب عليه صبغة معينة: (أما البيئة التي قد تكون العنصر السائد في بعض القصص، فنعني بها مجموعة القوى والعوامل الثابتة والطارئة، التي تحيط بالفرد وتؤثر في تصرفاته في الحياة وتوجهها وجهة معينة) ، فالفرد هو نتاج هذه البيئة التي قد يتماهى معها فيذوب فيها حتى يصعب فصله عن نسيجها، أو يتصادم معها فينأى بنفسه عنها، وقد يحاول الانسلاخ عنها، أو لعله يسعى لتطويع البيئة كي تناسبه، أو يحاول التغيير من نفسه كيلا يشعر بالغربة والاستلاب حيث يعيش.
وعادة ما يكون بطل القصة على خلاف مع بيئته، فالقصة القصيرة ترصد غالباً الأزمة الإنسانية التي يمر بها الفرد/ الشخصية الذي خرج من المجتمع/ البيئة.
قد يتحول الخلاف إلى عداء مباشر وصدام قاس، أو مراوغة لا تخلو من الحيلة؛ ويكون عادة  في محيط لم ينسجم معه البطل لمزاجه الخاص، أو لم يتلاءم معه كمثقف يعيش في مجتمع متأخر تشكل نتيجة مكونات بيئية في حقبة بذاتها، وهذه المكونات إحدى إفرازات الجهل المطبق بحقيقة ما يجري في العالم، لهذا تصبح الأفكار الغيبية مهيمنة في تلك البيئة الطافية فوق بركة راكدة من المعتقدات البائدة، ومناسبة لاحتضان الخرافات، و:(تقوم الخرافة على عنصر الإدهاش وتمتلئ بالمبالغات والتهويلات، وتجري أحداثها بعيداً عن الواقع حيث تتحرك الشخصيات بسهولة بين المستوى الطبيعي المنظور والمستوى فوق الطبيعي، وتتشابك علائقها مع كائنات ما ورائية متنوعة) ، وهذا ما يساعد على انتشارها واستمرارها لأنها امتلكت خاصية الحكاية المسلية، وشابهت الأسطورة في بعض أوجهها، وتحولت نتيجة لذلك إلى طريقة لفهم العالم وتفسيره لدى من يعتقد بصحتها.
وتلاشت خرافات كثيرة نتيجة تقلب الأحوال في مناطق جغرافية بذاتها، بينما حافظت بعض الخرافات على بقائها نتيجة ظروف ما في بيئات مختلفة حتى توطنت في أذهان العامة وصارت عرفاً راسخاً لا يمكن تجاهله، فتوارثتها الأجيال، وغدت عقيدة راسخة لدى فئات محددة مازالت تعتقد بصحتها، وتحرص على استمرارها، حتى غدت أكثر رسوخاً من  الأيديولوجيات السياسية، وهذا أحد أهم أسباب التخلف في مجتمعاتنا التي حاول الأدباء على اختلاف الأجناس التي يكتبونها وبيان عيوبها وأضرارها، وإدانة من يدافعون عنها ويتشبثون بها، لاسيما بالأسلوب الساخر الذي قد يضحك القارئ من غباء المقلدين للأعراف البائدة، وهذا لاشك إحدى المهمات التي تنطح لها الأدب في المجتمعات الخارجة من حالة البداوة القديمة، إلى المدنية الجديدة.
أما القوانين الرسمية التي وضعتها حكومات الاستقلال التي نشأت عقب عهود الاحتلال الأجنبي الطويل التي استمرت لعقود طويلة، فقد كان من مهماتها الافتراضية نسخ الأعراف التي صنعها التخلف والجهل بقوانين مدنية حديثة، ولكن هذا لم يحدث دائماً، ربما لأن تلك القوانين لم تنطلق بالضرورة من واقع تلك المجتمعات وتمثل مصالحها، وهذا ما جعل القوانين المدنية غير مقنعة- وإن كانت عادلة- لشرائح بشرية لم تتخلص من إرث طويل مُغرق بالخرافات والأعراف البائدة.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي