نافذة للمحرر ..أدباء في الذاكرة ... نزيه أبو عفش

العدد: 
15011
التاريخ: 
الأربعاء, كانون الثاني 10, 2018

نزيه أبو عفش شاعر وقع اسمه في سمعي لأول مرة في مطلع السبعينيات وأكد حضوره في سمعي ووجداني عندما تعرفت إليه أكثر فأكثر في كتاب الناقد حنا عبود –النحل البري والعسل المر- الكتاب المهم في دراسة الشعر الحديث في مطلع الثمانينات وعندما شاركنا لمرة واحدة في مهرجان شعراء حمص الذي كانت تقيمه رابطة الخريجين الجامعيين تعرفت إليه رؤية وسمعاً وأدركت يومذاك أنه شاعر يغرد خارج سرب النحل البري قليلاً ولذلك يعطي عسلاً مراً له نكهة تميزه. وفي عام ثمانية وتسعين شاركت في منابر الشعراء ضمن مهرجان الوادي بدعوة كريمة من الراحل الشاعر عيسى أيوب وقد أقيمت تلك المنابر في مرمريتا – قرية نزيه أبو عفش – ومسقط رأسه وصومعته وذكرته في قصيدتي –مرمريتا -: هي قرية منها نزيه يقطر الشعر المصفى في صور وعرفت يومها أنه فنان تشكيلي أيضاً ولذلك يستفيد من شعره الاستفادة من تآخي وسائل التعبير وإلغاء الفوارق فيما بينها وهو أيضاً موسيقي متمكن ولذلك تكثر عنده الاستعارات بين الشعر بوصفه فناً لغوياً وبين التشكيل بوصفه فناً بصرياً وبين الموسيقا بوصفها فناً نغمياً وهذه المزايا وغيرها دفعتني إلى التبصر في شعره فالمشاعر التي تنبض في شعره كثيفة ومحتدمة وهي نتاج حساسية مشروعة يتغلب فيها الوجدان على ما يبدد مدخراته الانفعالية إلى جانب الصورة النافرة والعنيفة من عنف المشاعر ومن رغبة اللغة في أن تكون صورة لمحمولاتها  الجوانية والبرانية .
وتابعت أعمال الشاعر نزيه أبو عفش الصادرة بدءاً من عام سبعة وستين : الوجه الذي لا يغيب , عن الخوف والتماثيل، حوارية الموت والنخيل، وشاح من العشب لأمهات القتلى، أيها الزمان الضيق أيتها الأرض الواسعة، الله قريب من قلبي، تعالوا نعزف هذا اليأس كتابات، بين هلاكين ،هكذا أتيت , هكذا أمضي، ماليس شيئاً ،مايشبه كلاماً أخيراً، أهل التابوت ،انجيل الأعمى، والراعي الهمجي ،وأخيراً أعماله الشعرية الكاملة التي صدرت في مجلدين في دمشق عام ثلاثة وألفين .
وتساءلت مع الكثيرين : كيف يؤنسك الموحش ؟ كيف تحب في الشعر ما لاتحب في الحياة ! هذه هي القوة النابذة الخالقة في شعر نزيه أبو عفش القوة التي تأخذك إلى حيث لا تريد فتريد والى حيث لا تحب فتحب !. إنها ميزة النصوص الكبرى تحبب إليك ما تدعي أنك لا تحبه: اليأس والعذاب واستعذابهما، الموت والألم وتعطيل الحواس ومحنة الوجود، نعم إنها ميزة الشعر الذي لا يموت .
إنها ثروة الحواس الثروة المدخرة وهي تدفع بالإنسان إلى سوية أن يحافظ على صفته الأولى وينتمي إلى نفسه ونزيه أبو عفش منتم إلى نفسه منتم إلى سورية منتم إلى الإنسانية وفي كل ذلك هو منتم إلى الفن :موسيقا ورسماً وشعراً والشعر ملك الجميع !! ومازال نبعه متدفقاً بالعذوبة والصفاء والخصب والعسل المر
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د.غسان لافي طعمة