قامات السنديان .. دماء الشهداء تضيء درب الكرامة للأجيال

العدد: 
15012
التاريخ: 
الخميس, كانون الثاني 11, 2018

كرمى لطهارة دمائكم تهطل السماء ذهباً ، تنبت شقائق النعمان ألوان ورود وطيب مسك و أمل ، يبقى البيلسان وحيدا ً متحديا ً يستنهض الوادي صباح  مساء  ... كرمى لقدسية عطاءاتكم يعبق المكان بدخان بخور، يصدح مع تراتيل وترانيم من قلوب ملأى بالمحبة والتسامح والإخاء  ..
 لوداعكم تصرخ قلوب الأحبة حزنا ً ..  لفراقكم تذرف عيون الوطن دموع فخر واعتزاز ببطولاتكم تركتم جدائل وأساور وحكايا بناتكم ,وأسرار نجوم أولادكم .. وأنتم واقفون كالأشجار الصامدة أبدا ً بوجه الرياح ..
 تناقلتم راية النضال والمقاومة من أجيال تضرب جذورها  في أعماق الأرض يبادلونها الوفاء والحب والانتماء .. لتشمخ الهامات عاليا ً متمسكة برايات المقاومة التي أضحت جزءا ً لا يتجزأ من عالم المجد ..
دافعتم  عن الانتماء ومقومات الهوية والوجود عبر اعتماد الشهادة معتقدا ً حياتيا ً كفيلا ً بزلزلة الأرض تحت أقدام الأعداء ،والتألق في سماء الخلد وتزيين بوابات التاريخ ببطولاتكم ، تعودتم ركوب صهوات الاستشهاد وراحاتكم البيضاء تفيض عطاءات تمنح الأجيال مقومات الحياة الحرة ..

نتابع زياراتنا إلى بيوت الشهداء ونلتقي مع ذويهم  للحديث عن بطولات صناع النصر.
 أسرة الشهيد الملازم شرف عماد محمد سليمان : السوري لا يهتز له جفن ولا يركع لطوفان...
 من الأبطال الذين انضموا إلى قافلة  المجد والخلود  الشهيد الملازم شرف عماد محمد سليمان الذي  نال شرف الشهادة في حمص بتاريخ 29/4/2011
 والدة الشهيد السيدة حليمة لم تفارق شفتاها دعوات أم لابنها بالرحمة والشكر لله الذي كرمها باستشهاد ولدها ..
 قالت : حزينة أنا على فراق البطل عماد ، لكني في الوقت ذاته أحمد الله لأنه نال الشهادة التي أرادها ، لقد حدثني قبل يوم من استشهاده عن حبه للشهادة  وإيمانه بها فداء للوطن ، وكانت ثقته كبيرة بأن الوطن سيخرج من هذه المحنة وسيندحر المتآمرون وعصاباتهم المسلحة بفضل دماء الشهداء وإرادة أبناء الوطن الشرفاء ..
 ذات يوم وقف أمامي بقامته الباسقة وصوته الهدار يقول: أنا السوري ... ثقل الأرض أحضاني، أنا المشهور بالجلد والعزم ، أنا السوري لايهتز لي جفن ولا أركع لطوفان ، أنا السوري تاريخ وأزمنة وعاطفة موحدة وأسواري معمدة بأفئدة وصوان ، أنا السوري وكل القطر عنواني ..
 البطل عماد الذي ربيته على المبادىء السامية والأخلاق الحميدة وحب الوطن  والتضحية في سبيله كقيم عليا ترخص في سبيلها الأرواح والدماء، هذه القيم ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ونحرص على التمسك بها لأنها الضمان الحقيقي لبناء سورية وحمايتها من غدر الأعداء  والمتآمرين .
والشعب السوري يمتلك القدرة والإرادة لتجاوز المحن عبر تلاحمه والتفافه حول قيادته، وكان لابد للقوات المسلحة من تلبية نداء الأهالي  الآمنين لحمايتهم من إجرام العملاء والمتآمرين على الوطن وتقديم الشهداء مؤمنين أن دماءهم  لن تذهب  سدى .. لقد انضم ولدي إلى رفاقه الشهداء لتكون دماؤهم ضمانة حقيقية وثمنا ً غاليا ً للحفاظ على الوطن  الأغلى ...
نعم أفخر وأعتز أني أم الشهيد الذي قضى ليحيا الوطن .. الرحمة والخلود لأرواح الشهداء الأبرار .. والشفاء للجرحى الأبطال .. والنصر للوطن ... لسورية الحبيبة .
محمد والد الشهيد يقول : للشهداء تنحني الهامات وتخضع القامات .. هم خير من أدى الأمانة ولبى  نداء الواجب الوطني ، شهداؤنا رجال أمة عريقة كسرت جبروت الطغاة لتثمر تضحياتهم عزة وشموخ وطن ، وبفضل تضحياتهم سوف نرى مواسم الخير والأمان والنصر والخلاص من رجس الإرهاب الآثم ..
 إن الوفاء والانتماء والشجاعة صفات تميز بها البطل عماد ، عاهد الوطن فصدق,و ناداه الواجب فلبى النداء ليبقى علم الوطن مرفرفاً  في سماء العزة والإباء ..
 كان يعلم أنه سيمضي في سبيل الوطن, فجهز صوره وأوصى بمكان العزاء وطلب عدم البكاء والحزن لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون .. حزني عليه كبير ، لكن الصبر من الإيمان ، ويبقى الوطن هو الأهم والأبقى  ، فلولا الشهداء الأبطال لم تشرق الشمس من جديد لتضيء أرض سورية  الغالية .
 لقد استشهد ابني مؤديا ً الرسالة ،ونال مرتبة الشرف وجعلني أعتز وأفتخر بهذه المرتبة ، إن فراقه صعب جداً ..لكنني أراه مع رفرفة علم البلاد ، في صور الشهداء والانتصارات ، في ضحكة  الأولاد ..
أما زوجة الشهيد السيدة غادة ، توجهت في بداية حديثها بالشكر لأسرة تحرير جريدة العروبة التي تخصص صفحة  للقاء   أهالي الشهداء ، يخطون مايريدون من ذكريات ومشاعر ثم قالت : لن يستطيع المجرمون حجب حقيقة تآمرهم ببنادق غدرهم وإرهابهم مهما تمادوا في غلهم وإجرامهم ، فدماء الشهداء ستضيء درب الكرامة للأجيال، وتضحيات  الأبطال ستفضح المتآمرين ومن يقف وراءهم من أعداء الوطن وستسقط المؤامرة ..
 لقد كان البطل عماد من رجال الأمن ...لم يتوانَ عن تنفيذ أية مهمة حتى لو كان مريضا ً,بتاريخ 29/4/2011 كان الشهيد عماد مع رفاقه الأبطال عند دوار البياضة بحمص وإذ بمجموعة كبيرة من المسلحين تتجه نحوهم وبدأ أزيز الرصاص من كل حدب وصوب، أصيب الشهيد بثلاث رصاصات في رجله ويده وصدره ونال شرف الشهادة في سبيل الوطن ..
كان أبا ً حنونا ً لأولاده محمد الذي تخرج من الجامعة ووضع نفسه في خدمة الوطن لخدمة العلم، وبتول سنة رابعة – كلية التربية – وجعفر في الصف الحادي عشر ثانوي كانوا أصدقاء يملؤون المنزل حياة وأمنيات ، كنا أسرة سعيدة ، لكن الموت اختار عماد ليرحل شهيدا ً، هنيئا ً له فهو يستحق هذه المرتبة بأخلاقه وحبه للوطن ،وما يعزيني أن أولاده  تشربوا من أفكاره وروحه، تعلموا منه كيف يكون الحب والوفاء  والولاء للوطن ، تعلموا التضحية بأغلى ما يملكه الإنسان من أجل العدالة والحياة ..
 وتتابع زوجة الشهيد وهي تنظر إلى صورته المعلقة في صدر الغرفة كان يعلم  أنه سيظفر بمرتبة الشهادة ... في آخر وداع أوصى الأولاد بالدراسة وطلب إكمال حياتهم ومشوارهم ....فسارت مراسم التشييع والعزاء كما أراد وأوصى بها ، لقد تحول التشييع إلى عرس حقيقي، وكذلك تحول العزاء إلى تهان ٍ ومباركات لنيله مرتبة الشهادة .
لقد كرم الوطن أسر الشهداء أحسن تكريم ،فمثلاً عندما اضطررت لإجراء عمليات جراحية فتحت المشافي أبوابها ، و كانت آخر عملية  استئصال كلية ،وكل العمليات أجريت لي في مشافي دمشق وبشكل مجاني ..
وأخيراً أود القول : أفتخر أننا أسرة  شهيد قدمت للوطن ما يستحق وأعتز بلقب زوجة الشهيد.

أسرة الشهيد البطل الملازم شرف طاهر طريف الرستم :تضحيات الشهداء لاتعادلها تضحية ...
أينما اتجهت في رحاب الوطن الأبي تسمع صدى أصواتهم تنادي .. إننا باقون على العهد دماؤنا سقيا طاهرة لثرى الوطن الغالي ، وأرواحنا فداء لحريته وكرامته واستقلاله ، عبق تضحياتهم نفحات من روعة التكوين لمعاني الوطن والوطنية ، إنهم رجال الجيش العربي السوري الذين كتبوا بدمائهم وثيقة الشرف الأغلى ( وطن ، شرف ، إخلاص ).
من الأبطال الذين  صانوا الوطن  الملازم شرف طاهر طريف الرستم الذي نال شرف الشهادة في القنيطرة بتاريخ 8/11/2014
يحدثنا والده قائلاً : لقد كانت سورية الغالية مستهدفة عبر التاريخ بحضارتها وثرواتها وقيمها وسيادتها ، لكنها صمدت منذ القدم وتصدت لمختلف الغزوات والحروب التي استهدفتها ، تصدت بما يملك أبطالها من شجاعة وبطولة ،واليوم ومنذ سنوات طوال يتصدى الأبطال للهجمة الإرهابية الإجرامية الشرسة ، بهمة عالية وعزيمة صلبة وإرادة لا تقهر، وتتحقق الانتصارات بفضل دماء الشهداء والجرحى ..
إن تضحيات الشهداء لا تعادلها تضحية، وكرمهم لا يدانيه كرم،ونبلهم لا يرقى إليه نبل ، و  كرمهم الله بأن جعلهم أحياء عنده يرزقون ، فالشهداء لا يمكن للموت أن يغيبهم ولا تطويهم السنون فهم بحجم الوطن  والوطن لا يموت أبدا ً ، وهم الخالدون في القلوب والذاكرة ..
عندما قرر البطل طاهر ارتداء بزة الشرف والكرامة قلت له : أوصيك يا ولدي وأنت تدخل باب العزة والمجد،أن تحمل أعلى أشكال المسؤولية ، وهي مسؤولية الدفاع عن الوطن، وأن تتعلم أبجدية النضال بأحرف من نور ونار ، تتعلم  التحية لراية الوطن لتبقى عالية شامخة ..واليوم أفتخر فيك لأنك ستلحق مع رفاقك المقاتلين  وقد أخذت قرارك برغبة ورجولة ومسؤولية ، لتتحمل مسؤولية نفسك وأهلك وأرضك ووطنك أوصيك يا ولدي... كن مقاتلا ً صبورا ً ، رجلا ً قويا ً ، أرضك طاهرة بدماء آبائك وأجدادك من الشهداء الخالدين، فحافظ على قداستها ولا تجعل المعتدي  يدنسها واجعل دون ذلك روحك .. ومضى البطل طاهر محتفظاً ً بالوصايا في قلبه وروحه ..متأبطا ً بندقيته وذخيرته ، خاض مع الأبطال أعنف المعارك ضد عصابات القتل والإجرام ضد العصابات الوهابية التكفيرية .. استبسل في المعارك وكان آخرها في القنيطرة – مسحرة – حيث طيب الثرى هناك بدمه الطاهر ..
 أفتخر أنا والد البطل طاهر بما سمعت عن بطولاته وشجاعته وثباته .. وأفتخر باستشهاده ..
والدة الشهيد السيدة هيفاء تقول : كان  البطل طاهر طاهرا ً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ... خلوقا ً ، طيب القلب، باراً بالوالدين، محبا ً للحياة  ولكل الناس ، في صغره عشق اللباس العسكري وكلما رأى جندياً  تتعلق عيناه به حتى يغيب، كان مولعا ً بالألعاب الحربية من جنود وبنادق ودبابات ، يبقى ساعات وهو يقود المعارك بين جبهتين ، كبر وحيدا ً بلا شقيق ومع ذلك كان يصر على التحاقه بالأبطال  ليشارك في المعارك ضد وحوش وبرابرة الموت وعندما بلغ سن الـ 19 عاما ً رزقنا الله بشقيق لطاهر .. لحظتها  كانت فرحته لا توصف ، غنى ورقص وزعرد لأنه سيحقق حلمه ويخدم علم بلاده بعدها قدم نفسه للوطن جنديا ً شجاعا ً من جنوده البواسل ... شارك البطل بعدة معارك ضد العصابات الإجرامية أثبت فيها بسالته وتفوقه وقدرته ، لم  يكن دوره في آخر مهمة ، لكنه أصر على الذهاب مع رفاقه، و في طريقهم لتنفيذ المهمة في القنيطرة – مسحرة - هاجمتهم العصابات بالقذائف والصواريخ، فاحترقت الدبابة التي يقودها طاهر ..  خرج ورفاقه منها ، طالبا ً منهم الجري نحو الاتجاه الثاني وسيغطي عليهم لحمايتهم ناسيا ً نفسه ، وفعلا ً أنقذ رفاقه وأصيب هو بعدة طلقات وشظايا وارتقى شهيدا ً..
لقد غاب الغالي عن عيني لكنه هنا في قلبي ينبض اسمه مع كل دقة، يسكن آفاق روحي ، ما أصعب الرحيل والفراق، ما أصعب الفقد... لقد حصدت الحرب الظلامية  أرواح الكثير من الشباب، إلا أنها كانت فداء لأرض الوطن، فداء لرايته.. الشهداء لا يموتون هم أحياء عند ربهم يرزقون ، وأحياء في قلوب الشرفاء وفي قلب الوطن .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
لقاءات: ذكاء اليوسف