مع الجواهري

العدد: 
15028
التاريخ: 
الأحد, شباط 4, 2018

بيدين مرتجفتين تناول كتاباً ضخماً من الكتب المكدسة على طاولة صغيرة وتناول قلماً من جيبه ..وراح يخطّ الإهداء .. وناولني الكتاب وهو يقول : (ربما يعجبك  اختياري ..!!)
قلت وأنا مندهش (يعجبني !! كيف لا يا سيدي وأنت من أنت ؟!!).
كان الكتاب قد صدر للتو عن وزارة الثقافة بدمشق وهو كتاب (الجمهرة) مختارات من الشعر العربي اختارها الشاعر محمد مهدي الجواهري .. رحمه  الله .. وكان ذلك في منتصف ثمانينات القرن الماضي . جمهرة من الشعراء ..وقصيدة اختارها ، بعناية، لكل شاعر .. بدءا من امرئ القيس إلى آخر شاعر جاهلي وصلتنا أخباره .
عندما نقول  إن الشاعر يعرف الشاعر .. فهذا قول صحيح ، فاختيار الجواهري كان جميلاً وموفقاً ... فليست كل قصيدة اشتهرت لشاعر ما هي الأفضل ، ولعل الجواهري أراد من اختياره التركيز على الوجه الآخر للشاعر .. فقصيدة (قفا نبك) ليست أجمل قصيدة للملك الضليل .. وقصيدة (أراك عصيّ الدمع ) لأبي فراس  ليست الأجمل ربما ..ولو أن شعره كله جمال ..!! ثمة قصائد  لشاعر ما أو شعراء قد تكون أجمل مما حفظنا وتعلمنا ..!! .
ثمة قصائد جلبت الشهرة لناظمها ..واشتهر بها ، وهذا في كل العصور ، ومن هنا كانت شهرة (المعلقات ) وشهرة شعرائها .
 لم تصلنا من دوقلة  المنبجي سوى قصيدة واحدة اتفق دارسو الأدب على تسميتها بـ (اليتيمة) والاسم الكامل له هو (الحسين بن محمد المنبجي أما ( دوقلة ) فهو لقب اشتهر به ، وقصيدة        ( اليتيمة ) من عيون الشعر العربي .. وقد دهشت عندما راح الجواهري رحمه الله يترنم بأبياتها عن ظهر قلب .. فهو يحفظها ، كما ذكر لي رحمه الله ، منذ كان فتى ..!! وذكر أيضاً في تلك الأمسية في منزله بتاريخ الحادي والعشرين من شهر شباط عام 1985 أنه ، أيضاً ، حفظ العديد من القصائد لامرئ  القيس والمتنبي وأبي فراس ..والبحتري الذي أشاد به لأن شعره ذو جرس موسيقي .
 اليوم ، نحن بالكاد ، نحفظ عدة أبيات ، وقد لا نحفظ شيئاً من الشعر ... ونأتي بعد هذا لنخربش بعض الكلمات التي نسميها  شعراً ... نصدر كتيباً يحمل عنواناً لافتاً .. ويحتفون بنا على أننا شعراء مع أننا لم نسمع بدوقلة المنبجي ولا با لبحتري وربما لم نسمع  بالمتنبي وقد نزم شفاهنا تعجباً عندما نسمع بأبي فراس الحمداني الذي صار ضريحه على بعد مرمى حجر من بيوتنا  .
 نعود إلى المرحوم الجواهري .. الذي لا أزال أتعجب وأشعر بالدهشة كيف يحفظ قصيدة (صفير البلبل ) للأصمعي .. وأنا حاولت حفظها فلم أتمكن ..وهذه القصيدة لها حكاية ترويها كتب التراث والتاريخ .. فقد ألقاها الأصمعي – العالم اللغوي  العربي الشهير أمام هارون الرشيد ...بعد أن قال  للرشيد إن أحداً لا يمكن أن يحفظها غير ناظمها أي الأصمعي .. لكن جارية الرشيد.. التي كانت تقف خلف الباب سمعتها وحفظتها ..!!وإذا صح هذا الكلام ، والمرحوم الجواهري يشك به ، فأية ذاكرة عجيبة عند جارية الرشيد ؟! إنها معجزة ..!!
من جهتي أنا كاتب هذه السطور لم أستطع حفظ أكثر من خمسة أبيات هي :
صوت صفير البلبل      هيج قلبي الثمل
الماء والزهر معاً       مع زهر لحظ المقل
وأنت يا سيد دلي       وسيد دي وموللي
 وكم وكم تيمني         غزيّل العقنقل
قطفت من وجنتيه       باللثم ورد الخجل
رحم الله الأصمعي ورحم الله الجواهري .. الذي وقفت ذات مرة أمام ضريحه في دمشق بحزن وقرأت ما كتب عليه :
( هنا يستريح الشاعر محمد مهدي  الجواهري 1899-1997 م ) بعيدا عن دجلة الخير ..!!

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة