مختارات ... «الشراع والعاصفة»

العدد: 
15031
التاريخ: 
الأربعاء, شباط 7, 2018

       لقد اعتاد الناس أن يهربوا حين يرشقهم البحر ، أن يتراجعوا ، أن يغادروا الشاطىء ، متفادين البلل.. أما محمد بن زهدي الطروسي فلم يكن يفعل ذلك قط، إنه لا يتراجع ولا يهرب ، ولايخشى البلل ،وحين تأتيه الموجة يكتفي بالقفز من مكانه مستثيرا ً البحر ليتابع لعبته بعنف أشد .
 راح أبو محمد يتابع الطروسي متشوقا ً إلى حركاته التي لم تذهب برشاقتها الأعوام ، الجسم الأسمر الضامر بغير هزال ، والوجه النحيل البيضوي ، بذقنه المستديرة ونظرته الجارحة وأنفه الأمتن،وهاتان الكتفان المتجمعتان المتحفزتان  أبدا ً لمواجهة خطر مجهول ، كل ذلك جعل للريس سيماء رجل صلب لا تنال منه السنون إلا مايناله الموج من صخرة الشاطىء، يخرش بعض جوانبها لكنه يعجر أن ينال من شموخها وصلابتها .
 الرجولة هذه رأسمال البحار، إذا لم يكن رجلا ً لايصبح بحارا ً ولو قضى حياته في الماء ، وللرجولة حقها ،ونحن نتصرف بموجب هذا الحق .
 كان المتوسط بحيرته  وأرضه ، الريس الذي يقف على الدفة في مصطخب الأنواء هازئا ً بالموت، صامدا ً للريح .
 إنه الشوق إلى معانقة الشهادة في ساحة المعركة والرغبة الآسرة في توكيد رجولته .
 أمنية الريس في أن يعود إلى الشاطىء  قاطرا ً وراءه الشختورة التي حسب الجميع أنها ضاعت إلى الأبد .
 وقد اقترب البحارة بعضهم من بعض، ونظروا  صوب  الطروسي ، ورأوه يصارع الموج فانعقدت ألسنتهم وتنهنهت غوارب الشجن في قراراتهم ، وود كل منهم أن يقول كلمة يعبر بها عن مشاعره ، لكنهم سكتوا كلهم كأنما اتفقوا على أن ليس من كلمة تعبر عن إعجابهم بالرجولة الكبيرة التي تبدت لأعينهم.
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
حنا مينه