فكرة ..هل فقدت ألقها وبريقها؟

العدد: 
15033
التاريخ: 
الأحد, شباط 11, 2018

قدم لها وردة حمراء حين التقاها  على الناصية المحاذية لذلك الشارع الطويل الذي تتعانق فيه الأشجار بشكل يضفي عليه الكثير من اللمحات الجمالية الرومانسية ، ومناسبة اللقاء لم تكن عادية فكل لقاءاته معها كانت استثنائية واليوم ينبغي أن يحتفلا بمرور عام على تعارفهما أخذت الوردة شاكرة بابتسامة تنم عن كثير من العواطف الجياشة التي تحاول ألا تظهرها أمامه كي لا تفضح مشاعرها التي طالما انفلتت من عقالها متناولة دفترها  كي تدس الوردة فيه حيث أبقت الأوراق ظاهرة وتترك للصفحات البيضاء ، حرية الضغط على الساق النحيلة ، أمسك بيدها وجذبها في طريق خلفي يؤدي إلى مكان لقائهما المعتاد الذي يحمل اسم الوردة التي قدمها لها .
 بعد أن دخلا من الباب أحسا أن كمية الضوء بدأت بالتناقص ، صعدا درجا كان يؤدي إلى صالة أقل ضوءاً تنتشر فيها مجموعة من الطاولات يكاد الجالس حولها لا يميز أحداً من الموجودين،اتجها نحو الزاوية حيث كانت هناك  طاولة فارغة، وضعت دفترها وحقيبتها عليها وجلست.
 تناول هو الآخر كرسياً وضعه بجانبها وجلس  متأملاً إياها، كأنه يراها للمرة الأولى .. أمسك بيديها أحس بالعرق يتصبب منهما .. بلعت ريقها ..
قالت له : هل تحبني ؟
أجابها : هل تشكّين في هذا ؟
 نظرت  إلى عينيه نظرةً حانية متسائلةً :
-إذا سألتك كم ؟ هل ستقول كبيراً كالبحر ؟
 أجابها بكل ثقة بالنفس
- أكبر
تابعته بنوع من الدلال : هل يمكن أن نقول مثلاً باتساع السماء وغيومها
أجاب بسرعة البرق: أكثر .. أكثر ..قرّبت يديها من وجهه لتسأله بدلال هل نجزم مثلاً أنك تحبني بعدد  نجوم السماء في ليالي الصيف الدافئة ؟
 سارع للتأكيد قائلاً : أكثر .. أكثر .. أكثر ..
-إذاً يا حبيبي .. وجهت نظراتها نحوه بدقة فأنت تحبني باتساع السماء وغيومها وبعدد نجوم السماء في ليالي الصيف الدافئة أليس كذلك ؟
 رد عليها دون تردد : أكثر .. أكثر .. أكثر .. أكثر ..
-هذا يعني ( قالت) أنك لا تستطيع العيش بعيداً عني وتشتاق كثيراً  إليّ وتتمنى ألا نفترق أليس كذلك ؟ نظر محدقاً في عينيها الجميلتين الناعستين  ليقول لها :حبك أكبر من كل الأشياء التي قمت بتعدادها .. حبك يأخذني من نومي ويقظتي .. أفكر فيك حتى وأنا معك ولا أتصور الحياة بدونك ذات معنى .. لاشك أنها ستكون عديمة الفائدة ؟ ابتسمت  سعيدة بما سمعته .. سحبت نفساً عميقا  وقالت :سأقول لأمي أنك ستزورنا قريباً  كي تطلبني للزواج .
أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى قائلاً : ومن قال إننا سنتزوج؟
-ما قلته لي منذ قليل أجابته بعد أن فوجئت بردة فعله .
نظر إليها مجدداً ليوضح وجهة نظره: قلت أحبك ولم أطلبك للزواج.
- ونهاية الحب أليس الزواج .. قالت متسائلة .
-  أجابها بكل ثقة ليس بالضرورة .. -  تساءلت بعد أن أحست أنها خدعت كيف؟
- حتى يبقى الحب خالداً يجب ألا يكلل بالزواج أجابها وهو مزهو بما يقول.
لم تقتنع بما قاله ولكنها سألته مجدداً لماذا لا يكلل بالزواج وهو حصيلة  المشاعر الإنسانية النقية والصافية ؟
- قال لها مؤكداً :إن الزواج يا حبيبتي هو مقبرة للحب ، وأنا لا أريد لحبنا أن يموت نظرت إليه نظرة يلفها بعض الشك مستفسرة عن حقيقة موقفه: هل أنت جاد فيما تقول:
- أجابها بما لا يقبل الشك : أنا لا أمزح في هذه الأمور .
سحبت  يديها متراجعة إلى الوراء قائلة : إذاً أنت تضع النهاية لعلاقتنا بيديك .
-أجابها وقد فوجئ بردة فعلها : على العكس يا حبيبتي أنا أحاول ألا أشوّه صورة الحب وأبقيه جميلاً للأجيال القادمة حتى لا يجعلوه سبباً بشقاء البشرية
نظرت إليه نظرةً ذات معنى وقالت مستهزئة وهي تتلمس أوراق الوردة الظاهرة من دفترها على الطاولة ماذا  أسمع .. ما هذه الأفكار المشوهة ..الحب هو سبب سعادة وحضارة البشرية وليس سبب شقائها .. نظرت إليه من جديد وكأنها اتخذت قراراً ما .. قائلةً : اسمع لن أسمح لك بعد اليوم أن تناديني بحبيبتك .. أنت وأنا مختلفان بوجهات النظر ومن الصعوبة بمكان أن نتفق إلا بالحب ، واختلافنا حالة صحية أجابها كمن يريد أن يتلافى أمراً ما .
- بدت وكأنها لم تسمع ماقاله لها وقفت في مكانها لتقول :
- يبدو أنه لا يوجد أي كلام مفيد يمكن أن يكون بيننا بعد الآن .. يجب أن أذهب .. لقد تأخر الوقت .
- أحسّ بالذهول من ذلك الموقف إذ لم يكن يتوقع حصول الفراق على هذا النحو أمسك بيدها قائلاً أحبك كثيراً .. - ..... نظرت إليه وكأنها المرة الأخيرة التي تلتقيه .. سحبت يدها من بين يديه .. حملت حقيبتها ودفترها من على الطاولة أشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى .. سقطت الوردة الحمراء على الأرض .. حاول أن يتبعها ليكمل حديثه معها .. لم يدر أن الوردة قد هرست تحت قدمه وأصبحت جزءاً من أرضية المكان بعد أن فقدت كل ألقها وبريقها ..

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الحكيم مرزوق