قصة قصيرة اعـتـــــزال الــرقــــص

العدد: 
15034
التاريخ: 
الاثنين, شباط 12, 2018

توقفَ الضجيجُ الصادرُ من شقةِ جارتي السيدة «رغد» في ليلةٍ ليلاء , فلم أعُد أضّطرُ لوضعِ سدّادةَ القطنِ في أُذنيَّ كلمّا حاولتُ النومَ
أجمل ُراقصةٍ على الإطلاقِ  وأجرأُ امرأةٍ عرفتها المدينةُ  والمراقصُ الليليةِ أعلنتْ عزوفها عن الرقصِ بالرُّغمِ من تربعها على عرش ِالراقصات ِ, ومن أجرها المرتفع كثيراً فقد كانت حلم كل راقصة جديدة في عالم الملاهي الليلية .
ظلّت صفحاتُ التواصلِ الاجتماعي تتناقلُ أخبارها و صورها وحفلاتها الخاصةِ والعامةِ ردحاً من الزمنِ , حتى اختفت كغيرها من الأخبارِ  والصورِ التي لا أعلمُ كيفَ تسعُها هواتفٌ نقالةٌ تُوضَعُ في الجيوبِ.
يبدو أنّني الوحيدُ الذي ظلّ متابعاً لأخبارِ الراقصةِ «رغد» ,  ربّما بحكمِ جيرتي لها , أو لأنّها كانت سبباً منغصاً لي فيما مضى من الليالي التي عانيتُ فيها قلَّةَ النوم ِبسببِ سهراتهِا العامرة , وربّما تحولُّها المفاجئ ُعن الرقصِ هو ما دفعني للاقترابِ أكثرَ من حياتِها كما أنّ انزياحَ الناسِ عنها قد خلقَ لي مجالاً  كنتُ أجِدُ صعوبةً في الاقترابِ منهُ.
ساعدَ الحظُّ فضولي في التِّقرُبِ منها فقد بدأَ سطحُ الغرفةِ عندي يرشحُ ماءً وهي من تسكنُ فوقي , فصعدتُ إليها أخبرُها بأمرِ الرشحِ  وفي نفسي ما في نفسي.
صعدتُ الدرجَ قاصداً بابَ شقّتها  فبدا الارتباكُ والترددُ على مفاصلي جميعها  فقررتُ الرجوعَ عما عزمتُ عليه لولا فتحُها للبابِ فجأةً  فتبسمرتُ  في مكاني لا أملكُ قدمي ولا حتى لساني
لأولِّ مرّةٍ أرى وجهها الجميل بدمهِ ولحمهِ, ولأولِّ مرةٍ أجِدُ نفسي في حرجٍ لم أعلمْ كيفيةَ الخروجِ منهُ, و لكنّها بذكاءِ العارفةِ أو الراقصة لم أعد أدري أدارتْ دفّةَ الحديثِ بيننا
أخالُكَ تريدُ أن تقولَ شيئاً!
متلعثماً نطقتُ كلمتين فضحكتْ وأدركتْ ما أنا عليهِ من حرجٍ فتركتْ لي بابَ الشقةِ المفتوحِ وأنا أراقبُ ثوباً أزرقاً  تجرُّهُ من خلفِها كأميرةٍ في بلاطٍ ملكي , دعتني للدخولِ  فتبعتُها دونَ أن أُجري في عقلي أيّةَ محاكمةٍ منطقيّةٍ  .
هل تحبها سادة ؟
أجل.. كما تشاءين!
أنا أصلاً لا أحب القهوة بكل أشكالها ! وكنت أشربُها في خيمِ العزاءِ مجاملةً لأهلِ الميتِ, يبدو أنني هنا ميت الإرادة ..فما عساي أن أقول لها؟!
شعرتُ بأنّي منساقٌ لأمرٍ لم أخططُ لهُ ولم يدُر في بالي كما يجبُ,  فقد كان سقفُ بيتي يرشحُ ماءً وقد وجدتُ فيه فرصةً لأرقُبَ وجهَها عن قربٍ,  فإذ بي وبسببِ فضولي أرشحُ عرقاً كذلكَ السقف الذي في شقتي.
 كان رداؤُها محتشماً ككلِّ النساء اللواتي لم يسلكنَ طريقها , ووجهُها مشرقاً  , ولا يبدو الخوفُ والارتباكُ في كلامِها  كما أنّ الشياطين لم تجدِّل شعرها الأسود  فقد كان يسرح رقيقاً كجدول الماء في قريتي التي لم أزرها منذ كنت ابن العاشرة .
الكثيرُ الكثيرُ من الأخبارِ الكاذبةِ خرجت من بعدِ خروجِها من ملاهي الليل
 وعلبِ العشاقِ والغرباءِ,  ولكنني لم أجدْ أيَّ شيءٍ يدلُّ على وقوعِ مكروهٍ لها ولم يتغيرْ شيءٌ .
بعدَ أنْ وضعتِ القهوةُ على الطاولة ِبانحناءةٍ لم أشعرُ بمُكرِ صاحبتِها أو محاولةِ إغواءٍ لرجلٍ يجلسُ أمامها بنصفِ عقلهِ شربتُ كوبين من القهوة ِ السادةِ دون أن أُبدي أيَّ امتعاضٍ لمذاقها المرِّ
الآن تستطيع أن تخبرني بما تريد
إنّ سقفَ بيتي يرشحُ ماءً
وكيفَ أُساعدكَ
يبدو أنّ هناكَ تسرباً ما في أنابيبِ الماء في شقتكِ وهو لا يظهرُ عندك ِولكنّه أغرقني أقصدُ أغرقَ بيتي
هل تجيدُ السباحةَ
ردّت على جوابي بابتسامةٍ أخّاذةٍ,  ثم قالت :
لا أعرفُ من يُصلِحُ هذه الأشياء !
أنا أعرفُ
حسناً باشر بالأعمال ِوسأدفعُ لكَ جميعَ تكاليفِ العمل
شربتُ قهوتي التي لا أحبُّ ولكنّني غيرّتُ رأيي من حينها وقبل خروجي من بابها
تملّكتني شجاعةُ فارسٍ يواجهُ جيشاً من الفرسانِ,  فسألتُها ما دفعني إليه الفضول ُ
لماذا عُزلتُكِ عن الناسِ وعزوفكِ عن الرقصِ وأنتِ بقمّةِ مجدك وشهرتكِ
قالتْ ضاحكةً حتى أعماقِها
إني رأيتكَ تدخلُ بيتي في آخرِ ليلة ٍعُدتُ منها
متى وكيف؟
حُلماً قادك لي
تمزحين...!
خرجتُ من بيتها أضربُ أخماساً بأسداسٍ لا أعرفُ كيفَ أُغلقُ الشرخَ الذي فتَحتْهُ بجدار روحي.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
باسم موسى