تحية الصباح ..زَنْقة

العدد: 
15034
التاريخ: 
الاثنين, شباط 12, 2018

دخل صديقي مكفهرّ الوجه، حتى أنّني توجّست خيفة من أن أسأله مابه، وكان لابدّ من ذلك، فهو أحياناً لايبوح بكلّ مايعتريه، وبعد رشفتين من فنجان القهوة المرّة، تناولهما دون أن ينبث بحرف، رسمتُ ابتسامة عريضة على وجهي، فيها شُحنة من التودّد، والعاطفة، وقلت له:  شغلت بالي يارجل، عسى ألاّ يكون قد حلّ بك مكروه ما ،؟!!
أجاب بحركة من رأسه تنفي وجود شيء، ونفخ نفخة ضجر ذات صوت أجشّ، وقال وهو يتنهّد :  صدّقني أنّه لاشيء جديداً، وإنّما هي حالة تعتريني، فأرى كلّ مافيّ قلِق، وكئيب، ولا أدري لذلك سبباً، وأنا غالبا ماألجأ إلى مزيد من العُزلة عن الناس في مثل هذه الحالة، فأنا لاأريد أن أُثقل على الآخرين بشيء، ويُفرحني أن أكون عنصر انفراج وبهجة، لاعنصر تأفّف، لاأعرف من أيّة بقعة تهبّ من تلك الأعماق التي نحملها، أشعر أحياناً أنّ هذا العالم قد خلا من الأوكسجين، ومن الخُضرة، ومن الجمال، ومن نُتف الذكريات المؤنِسة .
أدركت عمق الحالة، وكثافتها، ووقفتُ عاجزا من أين ابدأ معه في هذه اللحظة، وبرق لي خاطر، فقلتُ له:  مارأيُك بزيارة لذلك الشيخ الجليل الذي كان صديقاً لأهلنا من قبل، وأورقت صداقته حتى مع جيلنا ؟
قال:  أنا لاأصلح لشيء الآن.
قلت بجزم:  بلْ سنذهب ، فلم يردّ، فالتقطتُ إشارة موافقة بعيدة، فارتديتُ ثيابي، وخرجْنا..
حين وصلْنا كان الشيخ يجلس في مكان مملوء بالشمس، وحوله أغصان الأوراق التي بدأت تصفرّ، وتأخذ زينة ألوانها قبل أن تُغادر أغصانها، حين رآنا تفتّحت أسارير مودته، وقال :«طوّلتم الغيبة»، فسلّمنا باحترام، وجلسنا، فوضع إبريق خلطة الزهورات التي يشربها على موقد الغاز الصغير الموجود بجانبه، وتهلّل وجهه، وكرّر التّرحيب، قلت:» سيدي ، أبدأ من الاخر، صديق عمري في حالة من الكآبة .
قاطعني: دعْنا من هذا،واتّجه إليه قائلا: هل، تذكر تلك الفِريَة التي أُلحقتْ بك ذات يوم، وأرّقتْك، وكانت شاغل ليلك ونهارك، والتي هدّدتْك في الصميم؟
انتفض صديقي كمن أحسّ بملامسة أفعى، وقال:  أعوذ بالله من تلك الأيام، صدّقني ياسيدي أنّي كنتُ مظلوماً، وكنتُ مهدّداً بالتسريح من عملي، وكنتُ أقلّب الوجوه، فلا أرى منفذاً، وأنا لاأعرف عملا إلا التعليم، صدّقني ياسيّدي أنّني فكّرتُ بالانتحار، فليس أكره وأثقل من أن تُظلَم .
سأله الشيخ: الآن كيف تجد نفسك قياسا إلى تلك الأيام؟
أجابه:  أنا بنعمة لايُقدّرها إلاّ مَن ذاق ماذقت ، وبد الانفراج على أساريره وهو يرشف الزّهورات، فتابع الشيخ:  ياابن اخي حين يمرّ بك مامرّ اليوم من ضيق، فتذكّر أصعب مامرّ عليك من قهر، وخوف، وقلق، وسترى أفق الرّحمة واسع الزّرقة ، وليس له حدّ .
حين ودّعنا مضيفنا كانت البشرى تلوح في وجه صاحبي، وقال بصوت خفيض، حنون: جزاك الله خيرا عني وعن الصداقة ياصديق العمر .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الكريم النّاعم

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة