زاوية ...ثق بنفسك .. وامش ملكا

العدد: 
15035
التاريخ: 
الثلاثاء, شباط 13, 2018

ما من أحد منا قد أعفي من الشعور في لحظة من اللحظات بعدم قدرته على تحمل أعباء الحياة ، ورأى أن أهدافه أو آماله لن تتحقق مهما بذل من جهد واهتمام . وقد يتصور البعض أن الحظ يقف ضده فترتسم في ذهنه أشكالا وتفرعات لتخيلاته ، قد تطول أو تقصر ولكن الشخص السوي هو ذلك الذي يمنع طيور الشك والقلق من العشعشة في رأسه فيظل قادرا على تصريف شؤون حياته في ضوء ما حققته له المواقف المختلفة من إشباع نتيجة نجاحه فيها بحيث لا تقتصر رؤيته على ما لحق به من خسارة نتيجة المواقف التي أخفق فيها فقط بل يرى أيضا بعينيه تلك المواقف التي ولدت لديه مشاعر الارتياح والبهجة .
فالنشاط والعمل في نظر الشخص السوي ،استمتاع بالحياة وإيمان بأن فيهما مسايرة لنظام الكون الذي يفضي إلينا بتقبل الإخفاق أو النجاح في تطلعاتنا وعلى ذلك فهو لا يحتاج إلى ما يضمن له أن ما يراه هو الحق الذي لاحق سواه أو أن مساعيه كلها يجب أن تكلل بالنجاح..
ولأن هذا الشخص تسيطر عليه المشاعر الايجابية سوف يكون باستطاعته التسليم بأن ما توصل إليه من أفكار أو أعمال جدير بأن يحترمها وبأن المزيد لابد وأن يتكشف له في الوقت المناسب وهو يأمل أن يحقق شيئا وألا تضيع جهوده هباء وسدى وحتى وإن بدت تصرفاته وكأنها لا تخلف وراءها إلا الإخفاق وسوء الفهم ومشاعر العزلة فإنه سيظل  يشعر بأن هذه النتائج على ما تسببه له من آلام لا تزال في جوهرها أقل إيلاما من خبرة معايشة نفسه وقد تخلى عما رآه طريق الصح والصواب .
وسوف يكتشف بفعل إيمانه بالحياة أن مواقف الإخفاق والهزيمة لا تعني أبدا خراب العالم ونهايته ، بل سيكون لديه الإيمان والقدرة على تعلم الأشياء من جديد وتدارك الأخطاء فيها وتصحيحها وتعلم أشياء جديدة لم يكن ربما التفت إلى نواحي الجمال التي تكمن فيها كالعزف على العود مثلا أو السباحة أو ركوب الدراجة .. أو كيف يلقي قصيدة دون أن يحمر وجهه خجلا وهو أمام جمع غفير من الناس بحيث يمكننا القول أن هذا الشخص واثق بنفسه وينتقل بليونة ويسر من دائرة ما يعرف إلى ما لا يعرف ومن نطاق ما حاول فيه وجربه إلى نطاق ما لم يحاوله أو يجربه .
وهو ينتقل بليونة من موقف اخفق فيه إلى آخر يحاول فيه ويجربه لا لأنه لا يعرف الثبات على المواقف بل لأنه يعي أن ضرب رأسه في الحائط لا يدمي إلا أنفه فهو في علاقته مع الآخرين مرن لأنه لا يدع مجالا للمشاعر العدائية لكي تتعفن بداخله بل هو ينفس عن مشاعره رويدا رويدا بحيث لا يجعلها تتراكم وتصل إلى حد الاحتقان فتهدد حينها كيانه بالانفجار .
فالشخص السوي بدلا من أن يملأ رأسه بأفكار الصراع ينحو باتجاه استثمار ما لديه من إمكانيات فعلية لا متخيلة أو مبالغ فيها بحيث يؤمن بواقعه الموضوعي غير متخل عن طموحه الشرعي في تحسين واقعه متماشياً مع قوانين الأسباب والمسببات . وعلى ما يبدو أن خيبة أمل الإنسان وإخفاقه هما نتيجة لمحاولته عدم ارتياد المواقف الجديدة وإصراره على تلك المواقف من قلق على الذات والتركيز عليها.
وقديما قال أحد الحكماء عن الحياة : “ إنها أعلى من أن نتخطاها وأدنى من أن نتسلل من تحتها وأوسع من أن ندور حولها ، فلا مفر إذا إلا من أن نلجها من أبوابها “ والشخص الواثق من نفسه هو ببساطة ذلك الشخص الذي مر بخبرات منحته من المشاعر قدرا يشجعه على أن يلج الحياة من أبوابها بدلا من أن يستنفذ قواه وطاقته ووقته في محاولات التهرب أو الدفاع عن النفس .
 

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
منار الناعمة