قصة قصيرة .. عناية فائقة

العدد: 
15055
التاريخ: 
الثلاثاء, آذار 13, 2018

لم  تسمح أم حسام  للإبتسامه أن تفارق وجهها وهي تسكب القهوة , رغم إحساسها باختلاج أعصابها ورجفان يزحف في أنحاء جسدها النحيل  , خاطبت نفسها : صحيح أنه تزوج بغيري وقهرني  لكني لن أسمح له أن يكسرني , صحيح أني اكتشفت عدم تخرّج ابني من الجامعة  ومازال في السنة الثالثة ولكنه بخير وسيتخرج يوما ما.. كلها أمور عادية
حملت أم حسام الصينية  متجهة إلى صديقتيها  اللتين تنتظرانها في غرفة الضيوف  وكان الحزن باديا في قسمات وجهيهما  على رفيقتهما التي كانت تحاول أن تزيد من اتساع ابتسامتها  : أهلا بكما
 وضعت الصينية على الطاولة محافظة  على ابتسامة صمودها  وهي تسمع رفيقتها تقول : أجزاء الأم الصابرة والمتحملة أعباء حياة أسرة و أمور منزل كامل على كاهلها زواج زوجها عليها ؟! أين العدل ؟!
عندها انسدل ستار أسود أمام عيني أم حسام فجأة وماعادت ترى شيئاً وسقطت الأرض  مغمى عليها  وهي ترقب  سحب الذكريات  تتراكض مسرعة  تحمل لها  صور زوجها وأولادها وهم صغار مترافقة مع صوت ضحكاتهم التي كانت تترقرق كالموسيقى في أذنها , خانتها  أعصابها بمحاولتها فتح عينيها مرغمة لكنها لم تر إلا  ممرضين يدفعان بها على السرير النقال و أحدهما يقول : «أعطها الإبرة  بسرعة».
وضعوها في غرفة العناية المشددة وعلقوا بجسدها الأجهزة الطبية , ويبدو أن الحقنة التي تم حقنها  بها ساعدتها قليلا  لترفع رأسها بصعوبة عن الوسادة رغم وجود جهاز التنفس على أنفها وفمها , نظرت حولها  واطمأنت  لوجود زوجها برفقة ولديها  وهما يقفان خارج الغرفة بقلق وخوف  يراقبون  بغرابة الأسرّة النقالة تمر من أمامهم وفوقها مرضى تمت تغطية وجوههم لأن  الحياة   فارقتهم وأغلبهم شباب وكلمة : ليرحمه الله , وممرض يقف كالتمثال يسجل على الورق أسماء الموتى الخارجين من غرف العناية الفائقة وهو يشير لمن يدفعهم بالسرير أن يسرعوا ليعرف من هو الميت الذي يليه  وكأن الموضوع لايعنيه  لتكرار الموقف بشكل يومي !
تعبت المرأة من هذا المشهد وعادت برأسها للوسادة قائلة: ماالذي سيجري لي إذا ؟ هل سأموت مثلهم ؟!! هل سأكون رقما في هذه الحياة لا أكثر ولاأقل ؟ وتعبي وأعمالي وتربيتي لأولادي هل سيدفن معي في قبري؟
دخل  الطبيب مسرعا  وبرفقته الممرضة مانعا دخول الزوج والشابين وراح  يتفحص ماتشير إليه  الأجهزة الطبية  عندها أغمضت عينيها المثقلتين  وعادت لأحلامها وذكرياتها لتعيش معهم الحياة  الماضية وغابت عن الوعي مرة ثانية وكانت آخر جملة سمعتها : «أريد من يوقّع على إجراء العملية . إنها بحاجة لعملية جراحية».
فتحت عينيها وهي تشعر بآلام حادة في صدرها وبطنها فنظرت من خلال بللور الباب ولم تجد أحدا وراحت عيناها تجوبان السقف لتنزل منهما دمعة فرح وشعرت بنبضات سريعة تجري في كف يدها اليسرى فنظرت لتفاجأ بابنها جاثيا على الأرض يمسك بكف يدها وهو نائم على طرف السرير وأكملت عينيها رحلتها لترى ابنها الآخر وزوجته يجلسان نائمين على كرسيين متلاصقين
فنادت بصوت منخفض: حسام ..حسام     
فاستيقظ حسام مرعوبا مدهوشاً وعيناه  الحمراوان تحكيان قصة دموعه التي لم تجف طوال الأيام الماضية وقال متفاجئا : ماما! ماما ! استيقظتِ..
عندها استيقظ كل  من أبي حسام وابنه وركضا نحوها على وقع الخبر: الحمد لله الحمد لله  . عندها قالت : «لقد عدت إليكم أحبائي. لم أمت»
راح حسام وشقيقه يمطران يديها بالقبلات وحسام يقول : «سامحيني ماما سامحيني».
اقترب أبو حسام منها وقال بحزم وشدة  وهو يخفي ابتسامته وفرحه في عينيه : حمدا لله على السلامة ..سأنادي الطبيب
خرج أبو حسام من الغرفة وهي تسأل ولديها متوسلة  : أريد أن أشرب  أشعر أني لم أشرب من أيام . فابتسم حسام قائلا : معك حق فأنت لم تشربي ولم تأكلي أسبوعا كاملا  وهذا اليوم الثامن ولكن يجب أن نستشير الطبيب .
نادته مرة ثانية لتهمس في أذنه: أريد فنجان قهوة وسيجارة
استغرب الشاب طلب أمه الذي اعتقد أنها ستترك الدخان بعد هذا الظرف الذي مرت به لكن  هاتفه الجوال بدأ يرن ثم رن جوال أخيه فابتسم حسام وقال : لقد بدأت اتصالات الأقرباء والمعارف للاطمئنان عليكِ .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبير منون