ياغايبين ارجعوا

العدد: 
15066
التاريخ: 
الاثنين, نيسان 2, 2018

ماذا يحمل عيد الأم لأطفالٍ سلب اليتم طفولتهم وسرق منهم ألق كلّ عيد؟
وأيّ وجعٍ يسكُبه في حضن من غيّب الإرهاب أبناءها قتلاً وتشريداً و سجناً؟!!
يلفحنا السؤال حارقاً. فلمثل هؤلاء تُفرَش مساحاتُ الدمع كلّها..وينحني لباذخ حزنهم الكلام.
ماذا يحمل العيد لأمّ ادّخرت الأرغفة والأغنيات، وتُركتْ وحيدة، ترنو إلى صورهم وترتّل أسماءهم صلاةً تصِلُ شفاهَ البوح بالسماء، وعيناها تغتسلان بدمع الحنين..وما من شيءٍ يعزّي ثكلها، وما من حضورٍ يزيل الغياب..ولم يبق غيرُ أوردةٍ مقطوعةٍ مكشوفةٍ للأنواء والريح تنزِف صوب خطوهم.
أتلوذ بالأغنيات؟وأيّ أغنياتٍ ستسعفها، وتردّ عنها عويل الأبواب التي تنوح في قفارها الريح؟! و(أوووف..وياغايبين ارجعوا)، اغتسِلوا من زيف أعياد المدينة، عودوا إليّ عراةً من هداياكم، فلا ورداً أريد، ولا عطراً، ولا شال الحرير، فأيُّ وردٍ من غيركم ينضّرُ روحي؟! وأيُّ شالٍ يُدفّيء أيامي الباقيات؟
تتنفّس أصداء أصواتهم العالقة على جدران البيت..تتحسّس رائحتهم المدّخرة في حجرة الروح وقد غادروا كومض حلمٍ خاطفٍ، وتبقى وسط الصمت تخفي دمعاً عزيزاً، وترتّل مع المرْيَمات: أبناؤكم ليسوا لكم ..أبناؤكم أبناء الحياة)..
تعبنا، ولكنّك ما تعبتِ! لذا فنحن نلتجيء إلى جذرك الحيّ ..إلى دفقة الحبّ الأنقى والأبقى.. جئناك لتعلّمينا الحبّ في زمن الردّات.. ندقّ بابك، بعد أن سُدّتْ أبواب الحقّ، وسرق اللصوص مفاتيحها، وقد تواطأتْ بوصلة الزمان والمكان تزوغ عن الحق إلى الباطل.
قومي.... بلياقة القادة، وانهضي بماجدِ صبرك واحضني أوجاعنا ..ولملمي نثارنا ..وكوني شعار المرحلة..ويقيناً.. أنّ ما ننعجن فيه ما هو إلاّ وجع الليلة الأخيرة للمخاض العسير..ليبزغ فجرٌ لا تهاجر شمسُه..وسنستظلّ بوارف صبرك وأنت تصنعين الحياة مع كلّ دمعة فقدانٍ، وستبقين تعلّميننا كيف نزهو بانتمائنا إلى القرنفل، والحبق،وعبق التراب، وحبّة الحنطة ذات الطبيعتين، ونتحزّب لحزنك العظيم..فنتصالح مع أنفسنا وأمومتنا وحياتنا وموتنا..مع ماضينا وحاضرنا وغدنا.. وننشد ترنيمة الإنسان البهي ونحن نتسابق إلى العطاء والتضحية.. ودائماً..إليك أنت وجهتنا ..ندقّ بابك، نناديك، وقد أدمت الأسوار الشوكية أصواتنا..ندخل خدر أحزانك القدسية، ونتمسّح بأستاره، ونمسح بضيائه وطمأنينته ما علق بأرواحنا من دكنة الليل..نصعد إلى ينابيع يديك.. ننسكب معك وأنت تتدفّقين في الفضاء الذي ما يزال يضيق بنا جميعاً، فيتسع، وتدخلين بنا غيمة الضوء بأمدائها التي لا تُحد..لقد بتنا نحتاج لغة أكثر بلاغة ودلالة وأبعد غوراً، لغة لا يتقنها إلاّ أمثالك من الأمهات، وممّن تحسّس جذره الإنساني الأصيل، حين غدوتِ أنت النبع والمطر ..
عودوا إليّ عراةً من هداياكم، فلا ورداً أريد، ولا عطراً، ولا شال الحرير، فأيُّ وردٍ من غيركم ينضّرُ روحي؟! وأيُّ شالٍ يُدفّيء أيامي الباقيات؟

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
غادة اليوسف