قصة قصيرة ..اسمه.. الحب

العدد: 
15070
التاريخ: 
الاثنين, نيسان 9, 2018

في قطـار العمـر محطـات كثيـرة غيـر أن هـذه المحطــة تبقى راسـخة متميـزة في ذاكرتي تعصف هواجسي، وتتحرك آلام روحي لتقبض على حنجرتي إلى درجة الاختناق ، فألجأ الى والدي أسند رأسي على كتفيه وأنفض همومي، فبكل الحب والحنان القابع في حنايا ضلوعه، ينصت إليّ فأخرج‘ الحروف من شراييني مبعثرة، تغزل بالحب الدفين خيوط الشمس لترسم به فجراً يبدد القلق الذي يصيبني، وفي كل فجر أصبح سفينة حب تبحر في عيون وطني وأصبح وأمسي على وطن. أعلنت نومي قائلة لا توقظني يا أبتي دعني أحلم أن  الأطفال تلعب بالحدائق. لن أنسى تلك الليلة المرعبة ، ولن أنسى ذلك اليوم أبداً ما حييت، فهو يوم حزين منذ الصباح ، شربت القهوة مع زوجي وكلانا متوتران لم تمض عدة دقائق حتى تلقينا خبر إصابة ابني إصابة بالغة،حل الحزن علينا وصعدت الدعاءات الى الله كي ينجيه ، بتوتر شديد جهز نفسه زوجي واتصل بأخيه حسن ليرافقه الى حلب كان حسن قد علم من رفاق حسين مدى خطورة إصابة أخيه حاولت أن أكون معهما لكنهما رفضا فالطريق غير آمنة والاشتباكات مازالت بين الجيش العربي السوري والمسلحين ، توجها الى المستشفى في حلب بأقصى سرعة. كان الجو عبقاً بالعفونة البشرية وبنقيع «القويسة» المغلي،وأنا واقفة على النافذة الموجودة في غرفتي والتي تطل على الجهة الشرقية لمدة طويلة ، أنتظر خبر وصولهم للاطمئنان على حسين حمدت الله على اختراع هذا الجوال الذي بين يدي للتواصل معهم كنت على أحرمن الجمر حتى وصلا بسلامة الى المستشفى ، لم أستطع أن أكلم حسين لأنه في العناية المشددة وحالته حرجة فسلمته لرب العالمين ، . دام وقوفي على النافذة رغم أن السماء قد أوشكت على خلع ثوب حدادها ، لكن النوم لم يعرف عينيّ طريقاً أشم بروحي بكاء القلوب ..... رويدك أيها القدر إننا بشر استدار الجرح حزناً.
مضت عدة أيام والبطل ....حسين في العناية المشددة وجميع الرفاق الأبطال يروون قصص تضحياته وتكبيد المسلحين الخسائر بالأرواح والمعدات . لم يتراجع حسين يوماً عن خدمة أحد والإحسان إليه بتلبية طلباتهم والمساعدة بكل ما يقدر عليه حتى أصبح الأخ والصديق والحبيب والأب الحنون للكبير والصغير , الجميع يدعو له بالشفاء العاجل , كانت شهادة رفاقه تصلني بكل تفاصيلها مع الدعاء له بالسلامة . مضت عدة أيام والبطل حسين في العناية المشددة ووالده بالقرب منه أما أخوه فالتحق بقطعته بعد أن اطمأن على وجود أبيه معه داعياً له بالشفاء , بقيت على نار متوهجة انتظر الفرج وتحسن حالة حسين لم أعد أذكر كم من الأيام مضت , كيف ؟ لا أدري , أغفو لدقائق ثم أصحو , وفي أحد الغفوات حلمت بمارد يخرج ليسألني ماذا تطلبين , انهال عليه بالتوسلات لسلامة حسين , فأرى المارد يبكي ويبتعد , أمدّ يديّ لأسترجعه فأصحو. آه ياولدي , الشيب يضحك في الرؤوس وشيبتي تبكيك وتبكي الشباب. هاهو اتصال زوجي يقول لي كلمي البطل لقد اخرج من العناية المشددة , سمعت صوته وحمدت الله على ذلك , أحسست بروحي تطير من الفرح , وخاصة بعد أن قرر نقله للمعالجة في المشفى بحمص لإجراء العملية اللازمة له في الصدر بعد أن نزعوا الرصاصة منها . كنت مزروعة على أرصفة المشفى في حمص لساعات طويلة , حتى وصل البطل , استقبلته مع الأهل والرفاق بابتسامة لم أستطع ضمّه لأن حالته لا تسمح بذلك , كانت عيناه مليئة بالحزن , فطبعت قبلاتي على رجليه , لقد أحرق بآهاته دمعاً . أقسم بالصبر وبالجلد وبحزن عيونك وبسهدي وبحزن عيونك وهمومك سألملم جروحك في عنقي يا أملاً يبزغ في الظلمة يا أرواح شهداء بلدي , أنينك يحرق أضلاعي وهمومي أكبر أوجاعي دماؤك تجري في دمعي , يا وجعاً يسكن في كبدي . فتح عينيه قائلاً : اطمئني ياغالية نجوت بفضل الله ودعائك , ومرت الأيام مثقلة موجعة خضع للعملية , وتعافى كنت جاثية يائسة منتظرة خيوط الأمل وهاهو الأمل يبدأ يزحف ولدي الغالي كان في داخله صمت وفي جوفه قسوة حقد يصهر الحديد على ما رأى من إجرام بحق الشرفاء الصامدين المدافعين عن الوطن. انهض يا بني , أجابني سأنهض وأعود لساحات القتال أشدّ وأقوى من قبل و سأكون كابوسهم .
 وهاهو الرابع عشر من شباط يقترب ، عنوان الحياة وزادتها وضوء القلوب والإبداع امتزج اللون الأحمر بلون الشهادة وغطى كل حبة تراب فأصبح كل يوم احتفالية حب تمجد الوطن وأبنائه . لعيد الحب هذا العام في سورية طعم جديد فقد دخل إلى كل بيت وأصبح كل شخص وطنه محبوبه وإليه يهديه وردته الحمراء. قوة الحب في قلوبنا وفي خيال شعبنا لا يمكن قهرها ولا يمكن تطويقها بل لا يمكن إخفاؤها فها هم يدعون إلى التآخي فيما بينهم ويواصلون الغناء من أجل خير الإنسانية رغم الجراح التي أريد بها قهر إرادتهم في مجرى الكفاح الذي لا بد منه من أجل انتصار الحياة والحب.  
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
خديجة بدور