نزيف الذكريات في رواية (رصاص في حمص القديمة)

العدد: 
15070
التاريخ: 
الاثنين, نيسان 9, 2018

في التعريف الأكاديمي للرواية التسجيلية أو الوثائقية أنها تحتفي بالمضمون أكثر من احتفائها بالشكل ، وهذا يدفعنا إلى تعريف المضمون : بأنه الأفكار التي يتحدث عنها العمل الأدبي ، أما   الشكل فهو القالب الفني الذي يصب فيه الأديب أفكاره ، أما الفن فهو  محاكاة الواقع أي أنه ليس صورة ً فوتوغرافية عن الواقع ، وإنما تحليق فوقه بجناحي الإبداع والابتكار، ومنه  فإن الرواية  التسجيلية ساحة مباحة  للنقد ، وتقاس قيمة العمل الأدبي بعدد الدرجات التي يرتقيها في سلم الفن   
لأن المضمون النبيل  وحده لايكفي لإعطاء العمل الأدبي  صفة النجاح والقبول .
 ويمكن تصنيف رواية (رصاص في حمص القديمة ) للأديب (عيسى إسماعيل) ضمن الفن الروائي التسجيلي وقد كانت مهمة المؤلف صعبة إلى حد ما ، لأنه  يكتب عن حوادث دامية ، شهدها المئات إن لم نقل الآلاف ، وفي هذه الحالة المكشوفة فإن مجال  الحرية في القص  ضيق للغاية ، وعليه أن يصور الأحداث  بكل أمانة ، لأن هناك من سوف يراجع بعده، لأنه عندما ينتهي المؤلف من كتابة  عمله  يصبح ملكا ً للجميع، وقد ينجح المؤلف في امتحان الصدق هذا ، فجاء سرده للأحداث مطابقا ً للواقع، وليس محاكاة له كما هو مفترض ، وقد كان المؤلف في موقف لايحسد عليه ، وأمامه  خياران : فإما أن يشحن روايته بالصور الجميلة ، والبلاغة المجازية ، والتشابيه الرائعة ( وهو  قادر على ذلك ) أو يكتبها بأسلوب تسجيلي ) وهما أمران أحلاهما حلو ومقبول .
 عندما  بدأ موسم الهجرة إلى الشمال السوري من قبل جراد الإرهاب التكفيري، وامتد إلى مدينة حمص أنشأ مشهداً  جنائزياً مرعباً ومدمراً، حاولت هذه الرواية تصويره برؤية بانورامية ، واستقراء لأسبابها الموضوعية وتداعياتها الزلزالية على كافة الصعد ، بعيدا ً عن غبار التزييف وضباب التحريف، ومن غير ابن مدينة حمص  أجدر بالكتابة بأمانة وإخلاص عما جرى من مآس وويلات في ظل تواجد العصابات الإرهابية التي روعت الأهالي بطقوس شيطانية من التوحش والعنف المستوحى من أفكار ظلامية منحرفة يؤمنون بها بتعصب أعمى يقترب من الجنون والهيستريا ، هذه المظالم  يرتعش لها هلعا ً  أكلة لحوم البشر في مجاهل إفريقيا، وقد أثبتوا أنهم برابرة القرن الواحد والعشرين قولا ً وفعلا ً .
 هذه الرواية  هي عدسة مكبرة لما حدث في حمص القديمة فهناك حوادث رئيسية وأخرى هامشية، وأكثر مايشدنا في الرواية هو متابعة الخط البياني للعلاقة بين (إيمان) التي اختطفت، على يد ثلاثة من الإرهابيين الذين قاموا باغتصابها  بطريقة سادية متوحشة ما أدى إلى حملها وإنجابها طفلة اسمتها (ماري ) ...و(عبدو) الذي أحب (إيمان) قبل الأزمة عندما كان طالبا ً في المرحلة الثانوية ، واستمر في حبها عندما تابع دراسته الجامعية (هندسة مدنية) بينما كانت ( إيمان) تتابع دراستها في (كلية الصيدلة) وبعد بحث دراماتيكي طويل يلتقيان في مركز للإيواء، ويستمع إلى قصتها المروعة التي رمت بها بين أنياب المرارة والألم .
 وتنتهي الرواية بفضاء مفتوح متأرجح بين قبول (عبدو ) و(إيمان ) لهذا الواقع الجديد وبين الرفض له ، وبعد تفكير طويل يميل الطرفان إلى قبول هذا الواقع المرير على علاته لأن الحب الحقيقي يمحو كل الأخطاء .
 أما الحوادث الهامشية في الرواية فهي كابوسية إلى حد مفزغ ، فمن قتل المواطنين الأبرياء ، إلى قطع الرؤوس إلى حملة التجويع ضد الأهالي  ، وإجبارهم على حفر الأنفاق والخنادق دون مقابل إلى بيع المواد الغذائية بأسعار فلكية إلى موت الأطفال جوعا ً ، إلى اغتصاب النساء والفتيات  ، أما الجانب المضيء في هذه الحوادث فهو المحبة والأخوة والتسامح ونبذ التطرف ، واقتسامهم لقمة الطعام على ندرته بالتساوي بينهم ومساعدة بعضهم عند حدوث مصيبة يسببها تواجد الإرهابيين بينهم.
 أما الحدث الهام فهو حديث المؤلف عن الأب (فرنسيس) المعروف للجميع بتقواه وتواضعه وتفانيه في خدمة الآخرين فهو قس من هولندا، جاء إلى سورية منذ أكثر من خمسين عاما ً فأحب شعبها ، وقرر البقاء فيها وكان بمثابة  شعاع شمس في يوم ملبد بالغيوم السوداء  خلال الأزمة، وكان يساعد الناس ماديا ً ومعنويا ً ،ويرفض الخروج من المدينة بالرغم مما يعانيه من ظلم وجور وقسوة على يد الإرهابيين إلى أن استشهد على يد أحد القتلة المجرمين .
الأديب إسماعيل قدم لنا وصفا ً للبيئة الداخلية للمدينة القديمة يتسم بالوضوح والإيجاز، وقد ازدادت مساحة الجمل الحوارية دون الوقوع في هاوية الوعظ كما أنه أعطانا وصفا ً للعوالم الداخلية للشخصيات من خلال كلامها وسلوكها وليس من خلال التحليلات النفسية المعتادة لدى معظم الروائيين .
 هذه الرواية ستكون بعد انتهاء الأزمة وثيقة ضرورية للأجيال القادمة ، تقرأ بين سطورها حقيقة ماجرى عارية من كل زيف كاذب وادعاء فارغ، وكيف تصدى الأجداد لهذه المؤامرة الرهيبة بالوعي والشهادة  والتضحية والشجاعة المنقطعة النظير حتى ينطلق الجميع لقطع  أيدي  حاملي مناجل الموت ، وعدم زرع شوك الإرهاب.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نزيه شاهين ضاحي